{ وَهِى تَجْرِى بِهِمْ } حال حذف عامله وصاحبه ، أى فركبوا وهى تجرى بهم ، وهى حال مقدرة ، وشهر أَن الجملة لا تكون حالا مقدرة ، وإِنما قلت لأَنها وقت إِيقاع الركوب قارة { فِى مَوْجٍ } متعلق بتجرى وهو مياه مضطربة مترافعة كل موجة كالجبل كما قال { كَالْجِبَالِ } نعت موج ولا يثبت ما قيل أن الماءَ طبق بين السماءِ والأَرض وجرت في وسطه وعلى تقدير صحته ، الله قادر أَن يكون الموج داخل الماءِ وأَن يجريها فيه أَو ذلك قبل التطبق ، والمشهور أَن الماءَ علا على كل جبل أَربعين ذراعا ، وقيل خمسة عشر ذراعا ، وروى أَن الله D أَرسل الماءَ أَربعين يوما وليلة نصف الماءِ من الأَرض ونصف من السماءِ ، ففتحنا أَبواب السماءِ بماءٍ منهمر وفجرنا الأَرض عيونا ، وروى أَن امرأَة أَحبت صبيا لها حبا شديدا . فارتفعت به إلى الجبل ، فما زال يرتفع فترتفع هى حتى بلغ الماءُ أَعلى الجبل ، فلما بلغ الماءُ رقبتها رفعته بيديها فأَغرقهما الماءُ . فلو رحم الله أَحدا منهم لرحمها وصبيها ، وهذا ينافى ما شهر أَن الله أَعقم أَرحام نسائِهم أَربعين عاما ، ليغرقوا على أَبلغ العقل كافرين . ولعله لم يصح هذا ، أَو لم يصح شأْن الصبى أَو خصت بالولادة وأَلغز بعضهم في السفينة:
مكسحة تجرى ومكفوفة ترى ... وفى بطنها حمل على ظهرها يعلو
فإِن عطشت وعاش جنينها ... وإِن شربت ماتت وفارقها الحمل
أَى إِن دخلها الماءُ غرقت ومات من فيها { وَنَادَى نُوحٌ } قبل أَن ينقطع الطريق إِلى الفلك أَو مطلقا كقدرة الله أَن يحمله على الماءِ إِليها والأَول أَولى وهذا قبل الركوب فيها { ابْنَهُ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } وهو ابنه كنعان ابن امرأَته الخائِنة في دينه ، وقيل ربيبه سماه ابنا وهو ضعيف ، ومعزل اسم مكان ميمى ، أَى في موضع عزل عن السفينة ، وذلك حقيقة ، وقيل في موضع عزل عن دين نوح ، وذلك الموضع هو دين الكفر سماه موضعا مجازا أَو هو مصدر ميمى ، أَى في عزل عن دين نوح وقيل كان في موضع عزل لم يتناوله الخطاب باركبوا على أَنه لم يكن عند أَبيهِ وإِخوته وقومه ، وكان ينافق بإِظهار الإِسلام فظنه مؤمنا وإِلا فإِنه لا يجب نجاته ، ومعنى لم يتناوله الخطاب أَنه لا يسمعه ، وقيل كان يجانب الكفار ولا يكون معهم ليظن أَبوه أَنه مؤمن ، أَو طمع أَن لا يدخل في إِجمال من سبق عليه القول . وقد يمكن أَن يناديه لغلبة الشفقة على الولد وحبه بحيث لا يملك نفسه ، أَو ظن أَنه يسلم حين رأَى الغرق والهول ، أَو معنى اركب معنا اسلم لأَن الإِسلام سبب للكون وملزوم له { يَا بُنَىَّ } الأَصل بنيوى قلبت الواو وهى لام الكلمة ياءً وأُدغمت فيها ياءُ التصغير وحذفت ياءُ الإِضافة ودلت عليها الكسرة { ارْكَب مَّعَنَا } معشر المسلمين في الفلك ، ولم يذكره لحضوره ولأَنه لا مركب حينئِذ إِلا هو { وَلاَ تكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ } فى الدين والانعزال عن السفينة ، وكأَنه قيل فبم أَجاب فقال:
{ قَالَ سَآوِى } أَلتجىءُ { إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَاءِ } لعلوه فلا أَغرق وذلك إِسناد إِلى السبب ، والأَصل أَعتصم به من الماءِ ، ولا يدرى أَن ذلك ماءُ الغضب لا ينجو منه المغضوب عليه بالصعود في الجبل ، ولم يستحضر أَنه إِن نجا من الغرق فما يأْكل في الجبل حتى يزول الماءُ مع أَن ذلك الماءَ ماءُ غضب لا ينجو من العطش وهو كافر إِجماعا ، لكن صعوده إِلى الجبل لا يلزم أَن يكون صريع عناد لاحتمال أَنه أَراد الجبل لتوهمه أَنه أَنجى من السفينة أَو لكراهة الاحتباس في السفينة .