فهرس الكتاب

الصفحة 908 من 6093

{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ثم لتراخى الزمان أَو المعنى ، أَى أَعظم أَحوالهم في العجز عن النجاة وإِنكار الإِشراك ، والمصدر من أَن والفعل بعدها بمنزلة العلم ، وبذلك كان هو الاسم وفتْنة الخبر ، كأَنه قيل: لم يكن فتنة إِلا قولهم ، وأَنث القول بتاء تكن لتأْنيث الخبر ، والمراد بالفتنة كفرهم باتخاذ غير الله وليا ، أَى لم يكن عاقبة شركهم إِلا تبرؤهم منه ، كقولك لمن رأَيته يحب إِنسانا مذموم العاقبة: ما كان حبا منك له إِلا أَن فررت منه ، كما تجعل عاقبة الشئ عينه ادعاء ، أَو يقدر سبب فتنتهم ، ولما حذف المضاف أَنث الفعل ، وذلك أَنهم تهالكوا على حب الشرك ، أَو الفتنة للتخلص ، كقولك فتنت الذهب إِذا أَزلت رداءَته بالنار ، توهموا أَن قولهم: والله ربنا إِلخ ، معذرة صارفة لهم ، والفتنة ما يحب الإِنسان ويعجب به ، وكانوا يفتخرون بشركهم ، أَو الفتنة ما يحب لأَنهم قصدوا به الخلاص ، أَو أَنه كذب ، فقد كذبوا في الآخرة كعادتهم في الدنتيا ، بل بنفى الشريك ، وتأْكيد النفى بالقسم ، فذلك كذبان ، وحينئذ يختم على أَفواههم ، وتشهد جوارحهم ، ففى موطن من مواطن يسأَلون أَجمعون ، وفى مواطن لا يسأَل عن ذنبه إِنس ولا جان ، والآية ناطقة بأَن الكفار يكذبون في الآخرة كالدنيا ، وذلك قول الجمهور ، وقال أَبو على الجبائى من المعتزلة ، والباقلانى: لا ، لظهور الأَمر وكون الكذب لا ينفعهم ، وأَجابوا عن الاية بأَن المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا أَن عبادة الأَصنام نتقرب بها إلى الله لا عبادة بالذات ، وبأَن معنى قوله:

{ أُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } أَنهم كذبوا في الدنيا بأُمور يخبرون عنها بخلاف الواقع ، كقولهم: تقربنا إِلى الله زلفى ، وأَجاب الجمهور بأَنهم يكذبون في الآخرة مع انكشاف الأَمر وعدم الانتفاع بالكذب للتحير والدهش من شدة الأَمر حتى نسوا أَو تعمدوا الكذب ، وبأَن حمل كذبوا على أَنفسهم على كذب الدنيا تعسف ، لأَن ما قبل هذا وما بعده في شأْن الآخرة ، وأَيضا قال الله D { يوم يبعثهم الله جميعًا فيحلفون له كما يحلفون -أَى في الدنيا- لكم } { وَضَلَّ } ذهب { عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } أَى كونهم مفترين ، أَو ما كانوا يفترونه من الآلهة ولو حضرت لذهاب نفعها ، وجعلت نفس المفترى مبالغة فإِن المفترى النفع ، وهذا داخل في النظر ، عطف على كذبوا كأَنه قيل: انظر كيف ضل عنهم إِلخ . ويجوز عطفه على نقول ، أَو نحشر لأَن معناه الاستقبال ، وإِنما أَتى بصيغة الماضى للتحقق فلا يدخل في النظر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت