{ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى آياتِنَا } يتكلمون فيها بسوء كتكذيب بها واستهزاء وطعن ، كقولهم أَساطير الأَولين وسحر وتعليم بشر ، وقيل: المراد أَهل الكتاب ، ولا بأْس بالتفسير بكل ذلك ، وأَصل الخوض في الشىء مطلق الشروع خيرًا أَو شرًا ، وقيل: أَصله في الماء ، وقيل أَصله أَن يكون على وجه العبث واللعب { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } بالقيام عنهم حتى لا تسمعهم ، أَو بالذهاب عنهم إِن لم تقعد بدليل فلا تقعد بعد الذكرى { حَتَّى يَخُوضُوا } حتى يشرعوا { فِى حَدِيثٍ } غَيْرِهِ ما فيه لعب ولهو ولا سوء بدليل أَن الإِعراض عنهم لأَجل السوء ونحوه ، فهذا الخوض الأَخير جىءَ به على أَصل اللغة ، والأَول على مستعمل الشرع في الخوض ، أَو عبر به للمشاكلة ، والهاء في غيره للآيات لأَنها بمعنى القرآن أَو الوحى أَو الحديث ، والقرآن يطلق على البعض كما يطلق على الكل ، والآية تعم أَن القعود مع أَهل السوء في حال عمل السوء لا يجوز ولو مع نهيهم ، وإِذا خرجوا عن السوء إِلى شىء غير سوء جاز القعود معهم ، ولو لم يتوبوا إِلا إِن كان القعود لضرورة لا بد منها فيجوز القعود حال السوء حتى يقضى حاجته ، فيقوم وينهى عن ذلك ، إِن قدر ولا دليل للحشوية في الآية على منع الاستدلال في ذات الله وصفاته ، ولا لمن منع القياس لأنها في منع الخوض بالسوء ، بل عى دليل على الجواز لقوله { حتى يخوضوا في حديث غيره } فلو خاضوا بغير سوء لجاز السماع إِليهم ، وأَيضًا قعد A إِلى قوم يتذاكرون في التوحيد ، وقال: بهذا أَمرنى ربى ، وتذاكرهم لا يخلو عن استدلال ومناظرة { وَإِمَّا } إِن الشرطية وما التأكيدية { يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ } يشعلك بوسوسته حتى تنسى أَنك مأْمور بالإِعراض ويضيق صدرك ، أَو قعدت معهم ، فالإِنساء عبارة عن ملزومه أَو سببه ، وهذا كقوله: وما أَنسانيه إِلا الشيطان . وقوله: فأَنساه الشيطان ، وفى الكلام حذف ، أَى وإِما ينسينك الشيطان في حال القعود معهم ابتداء أَو بقاء حال الخوض بالسوء إِنك مأْمور بالقيام عنهم { فَلاَ تَقْعُدْ } معهم أَى لا تلبث معهم قائمًا ولا قاعدًا ولا مضطجعًا ، فالقعود مقيد استعمل في المطلق { بَعْدَ الذِّكْرَى } أَى التذكر للأمر بالإِعراض { مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ } مقتضى الظاهر معهم لكن ذكرهم بخصوص أَنهم فريق ظالمون تشنيعًا عليهم بوضع التكذيب في موضع التصديق والاستهزاء في موضع الاستعظام ، عبر أَولا بإِذا لأَنه A معترف بأَنه يراهم يخوضون وثانيًا بأَن لأَنه يشك أَن ينسى ، والخطاب في رأَيت وينسينك ، وأَعرض ، وتقعد ، له A لصحة تلك الرؤية منه ، وإِمكان الإِنساء وقيل له والمراد غيره ، وقيل لمن يصلح لذلك ، والرؤية بصرية والحال محذوف ، أَى إِذا رأَيت الذين يخوضون خائضين ولا يغنى عنها ذكر الذين يخوضون لأَنك قد ترى ذات الخائض ولا تدرى أَنه يخوض لبعدك أَو غفلتك ، والمراد تراه بعنوان أَنه يخوض ، ويضعف أَن تكون علمية حذف ثانيها للعلم ، أَى: وإِذا علمتهم خائضين في وقت حضرته معهم فأَعرض عنهم فيه ، ويضعف أَن يكون المعنى إِن أَنساك الشيطان قبح مجالستهم حال الخوض لأَنه مما يعلم بالعقل قبل نزول تحريمها ، فلا تقعد معهم حال الخوض بعد التذكير منا بالتحريم ، فهو تأْكيد لما قبله من قوله: وإِذا رأَيت ، ونحن لا نقول بالحسن والقبح العقليين بل المعتزلة ، ولكن يعلمه من سائر الآيات في مجانبة كفر الكافرين بواسطة العقل ، ويجوز الجلوس معهم حال الخوض للتعليم والنهى ، والنبى A ينسى في أَمر الدنيا ولا ينسى أَمر الدين قبل تبليغه إِجماعًا ، فيما قيل .