{ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِى } أَخرنى عن الموت والجزاءِ والتعطيل عن الإِغواءِ ، والفاءُ عطفت أَنظرنى على كلام الله ، أَو على محذوف ، أى فعلت ذلك ، أَو قضيت ذلك فأَنظرنى ، عطف طلب على خبر ولا يقدر إِذ جعلتنى رجيمًا ملعونًا فأَنظرنى؛ لأَن الجعل واقع متحقق لا مستقبل ، ولا إِن جعلتنى رجيمًا لأَنه لم يشك في الجعل ، وكذا تقول في مثل ذلك { إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } يبعث الناس ، فإِذا أُخر إلى يوم البعث لم يمت بعد فلم يصبه الموت كما أصاب الناس في يعذب ، أو يستمر على الإِغواءِ بعد بعثهم أَيضًا ، وهذا لجهله أَنه لا تكليف بعد البعث ، ولا معصية بعده ، وأَنه لا بد له من الموت ، أَو علم ذلك ودعا بخلافه هذا طمعه فأَجابه الله D بقوله:
{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمَ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } وهو وقت نفخة الموت فيموت كغيره ويبعثون بعد أربعين سنة بنفخة ، ويجوز أن يكون يوم يبعثون هو الوقت المعلوم بأَن سمى وقت النفخ بالموت يوم بعث ، وأَنه وما بعده وقت واحد ، وعلى هذا فلم يرد أَنه يحيى أَبدًا ، ولا أنه يغوى الناس بعد البعث فعبر عنه بيوم الجزاءِ ويوم البعث ، وبالمعلوم لوقوعه في الكلامين يقول الله تعالى لملك الموت: جعلت فيك قوة أَهل الأرضين والسموات السبع وأَلبستك أَثواب السخط فاذهب بغضبى وسطوتى مع سبعين ألف ملك امتلئوا غيظًا وغضبا مع كل واحد سلسلة من جهنم وغل إلى إبليس وانزعوا روحه الخبيثة بسبعين ألف كلاب ، وناد ملكًا ليفتح أبواب جهنم ويبرز له بصورة لو أَبصرها أَهل السموات والأَرض لماتوا ، فيفعل ويقول: قف يا خبيث لأَذيقك موته الأولين والآخرين ، فيهرب إلى المشرق وإلى المغرب وإلى دهة السماءِ ، ويغوص في البحر وفى الأرض ، ويجد في ذلك كله ملك الموت سابقًا له فيجىءُ موضع آدم وحواءَ فيقول: من أجلك صرت هكذا ، ويحييهما الله - D - ليشاهدا عذابه ، ويقال له: اسجد لآدم ، فيقول: لم أَسجد له حيًا فكيف أسجد له ميتًا ، وقد جعلت له الأرض جمرة ، وطعنته الملائِكة بالكلاليب .