{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ } بعلمه من العبادة { الْعَاجِلَةَ } همته مقصورة عليها وهى الدنيا ، والمراد إيثارها أو متاعها ، وأما من لم تقصر همته عليها كما قال: { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة } فليس مرادًا لقوله: { ثم جعلنا له جهنم } والمراد الدار العاجلة ، أو الحياة العاجلة ، والأول أنسب بقوله: { عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا } فى العاجلة ، ولو أريد الحياة العاجلة لقيل عجلنا له منها ، لأن الحياة من جملة ما عجل .
{ مَا نَشَاءُ } تعجيله طبق ما يريد أو دونه أو فوقه ، ولا يجد كل أحد جميع ما يتمنى إلا إن شاء الله ، فالأمور على مشيئة الله ، والهم زائد لا يزيد خيرًا ، وما الهم بمنى الاهتمام بالخير ففضل من الله ، والإرادة منا مخلوقة لله D عندنا وعند الأشعرية ، وزعم بعض منهم أن الإرادة الجزئية غير مخلوقة له تعالى وأنها أمر اعتبارى لا وجود له ، خارجًا وهو خطأ .
{ لِمَنْ نُرِيدُ } التعجيل له ، ودليل على أن المراد لمن نشاء هلاكه ، كما زعم بعض ، ولو صح المعنى ، إذ لا يجوز أن يفسر بما يجوز في المعنى بلا دليل ، ولمن بدل من له ومن العجيب أن يقال من بدل من الهاء إعادة الجار ، ما المانع من أن يقال الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور معًا ، وهو بدل بعض لأن الهاء لمن يريد العاجلة ، ومن يريدها شامل لمن يعجل له مراده ، ومن لا يعجل له ، والرابط محذوف أى لمن نريد منهم ، أو لمن نريد التعجيل له ، ولا بأس بعود الضمير إلى بعض المبدل منه ، وهذا البعض هو هاء له ، وبعض الناس يريد العاجلة ، ولا نعطيه منها مراده ، وقيل: المراد بالآية المنافق ، يريد بعمله الصالح كالجهاد مع رسول الله A ، والصلاة معه والصوم أمر الدنيا كالأخذ من الغنائم ، قيل الآية متصلة بقوله D: { وكل إنسان ألزمناه } إلخ بيَّن أنه يصدر عنه من الأعمال ما قدر له ، وأن عمله محفوظ له ، يجازى عليه يوم القيامة ، وبيَّن هنا أن بعض الناس مقصور الهمة على الدنيا ، ويعمل لها فينال مراده منها إن شاء الله ، وله جهنم كما قال:
{ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ } مفعولان لجعلنا بمعنى صيَّرنا ، أو الثانى محذوف أى مأوى واللام في له للاستحقاق أو للاختصاص ، أو للنفع تهكمًا { يَصْلاَهَا } قال الخليل: يقاسى حرها ، وقيل: يدخلها مستأنف أو مفعول ثان أو حال من الهاء أو من جهنم .
{ مَذْمُومًا مَدْحُورًا } مطرودًا عن الرحمة ، والمراد بمن كان المشرك والمنافق بإضمار الشرك ، والمنافق بالجارحة ، وأما المؤمن المخلص ففى قوله تعالى:
{ وَمَنْ أَرَادَ } أى فصد بقلبه { الآخِرَةَ } المثوبة الآخرة وهى الجنة ، ورِضَى الله D { وَسَعَى لَهَا } اللام للاستحقاق أو للتعليل أو عبَّر به عن مطلق الإعطاء { سَعْيَهَا } مفعول به ، أى فعل لها ما يليق بها من فعل ما أمر بفعله ، وترك ما أمر بتركه ، لا ما اخترعوه مما يتقربون به ، أو ما يفعله أهل الأهواء فلا جناح بعوضة له ، أو مفعول مطلق أى سعى لها حتى سعيها الخالى عن تقصير .