{ فلمَّا قَضَينا عليْه المَوْت } الخ عطف قصة بالفاء على أخرى قبلها ، أو على محذوف تقدير أحييناه كذلك ، أو فعلنا به ذلك « فلما قضينا عليه الموت » أى أنفذناه فيه { ما دلَّهُم عَلَى مَوْته } لم يقل ما دلهم عليه بعدو د الهاء للموت ، لئلا يتوهم عودها لسليمان ، ولأن الموت المذكور قبل هو حقيقة الموت ، وهذا موت متشخص ، والهاء في دلهم عائد الى الذين يعملون له عليه السلام ، لا الى آل داود ، أن المقام للرد على من يتوهم أن الجن تعلم الغيت ، كما يدل له { فلما خرَّ تبيَّنت الجن } .
{ إلا دابَّة الأرض } دابة الأكل يقال: أرضت الدابة الخشب بفتح الراء تارضه بكسرها أكلته ، فالأرض في الآية مصدر أضيف اليه فاعله ، وهو الدابة المخصوصة المسماة سُرفة قضم فاسكان سوسة ، الخشب ، سوداء الرأس ، حمراء البدن ، ومطاوع ذلك الفعل أرض بالكسر تارض بالفتح ، أرضت تلك الدابة الخشب بفتح الراء أرضا باسكانها ، فأرضت بكسرها الخشبة أى تأثر فيها أكلها أرضا فتحها ، كما قرأ به ابن عباس ، ولعل من فسر الآية بالأرض التى نحن عليها لم يطلع عليها أنها ذكرت في اللغة { تأكل مِنْسأتَه } عصاه ، والألف عن همزة ، يقال: نسأت البعير إذا طردته ، ونسأته أخرته ، والجملة حال من دابة { فلمَّا خرَّ } بالموت { تبيَّنَتٍ الجن } علمت بعد التباس .
{ أن لو كانُوا يعْلمُون الغَيْبَ ما لبثُوا في العَذاب المُهِين } بعد موته ، أن مخففة أى أنه ، أى الشأن ، أو أنهم أى الجن ، والمصدر من معنى لو مففول به لتبيَّنت أى علمت ضعفاء الجن انتفاء علم أقويائهم الغيب ، لبقائهم سنة في الخدمة الشاقة التى استخدمهم بها وهى عذاب مهين ، أى مذل لهم ، بحمل الصخر ، واستخراج المعادن ، والبناء ، والعكوف على بابه ، وحول محرابه ، وأسند التبين والعلم لمجموع الجن ، والمراد التفصيل المذكور ، كانت ضعفاؤهم يدعون أن أقواءياهم يعلمون الغيب ، أو الجن هم الأقوياء ، كانوا يدعون علم الغيب ، فتبين لهم أنه لا يعلمونه ، أو أن وما بعده في تأويل مصدر بدل اشتمال ، وإن اعتبر مضاف ، أى تبين أمر الجن كان بدل كل .
وعلى فرض الأقوياء علموا أنهم لا يعملون الغيب ، فالآية تهكم بهم ، وفى الحديث: « لتتبعن سنن من قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه أو ركبوا متن ضباة لركبتموه » ففى هذه الأمة من يميل الى ذلك بل يتقرب اليهم بالذبح ، وقد قال أبو هريرة عن رسول الله A: « لا تذبحوا للجن » قال بعض الفقهاء ذبائح الجن أن تذبح في الدار الجديدة بالطيرة ، أو لعين تستخرج منها ، ومن ذلك أن يذبح في الموضع الذى يراد حفر البئر فيه ، أو في قريب منه ، أو في موضع ما قصدا للجن ، وأن تذبح دجاجة لمريض تقربا الى الجن ، أو زعما بأن الجن يخرج بها من المريض .