{ وَمِنَ اللَّيْلِ } أى في الليل كله أو بعضه ، كما قيل من للتبعيض متعلق بقوله: { فَتَهَجَّدْ } على أن الفاء صلة ، أو في جواب أما مقابلة لقوله: { لدلوك الشمس } وصلاة الفجر ، أو بمحذوف نعت لمحذوف ، أى وزمانًا ثابتًا من الليل ، وهذا الزمان متعلق بتهجد ، وقد قال بعض: إن من التبعيضية اسم ، والصحيح أن من التى للتبعيض لا تكون اسمًا فلا يرد على من يقبل اسميتها ، يقول مَن يقول ، إِذ لا يرد قول مجتهد بقول آخر ، فلا إغراء اصطلحيا في ذلك ، فإنه بالاسم أو بنحو عليك .
والتهجد إزالة الهجود وهو النوم ، كالتأثم لمجانبة الإثم ، والتحرج لإزالة الحرج . أزِلْ النوم ، فالتفعل هنا للسلب وأجيز أن يكون للتكليف ، وهو أكثر في التعفل ، فيكون المعنى تكلف الهجود أى اليقظة ، إِلا أن الهجود بمعنى اليقظة غير مسلم إِلا بمعنى إِزالة النوم ، فيرجع للسلب .
{ بِهِ } أى بالقرآن ، وهو غير قرآن الفجر على طريق الاستخدام ، فإن القراءة في صلاة الفجر غير القراءة في الليل ، ولو اتحد المقروء أو الباء بمعنى في ، والهاء لليل ، أو الفاء عاطفة على محذوف ، أى قم من الليل ، أو اظهر فيه متهجدًا ، ومعنى تهجد على هذا اعبد الله ، أوصل وهو مجاز على هذا لغوى .
وقيل الهجود حقيقة في النوم إلا إن أريد بالاشتراك أنه يقع بمعنى النوم لغة ، والصلاة شرعًا .
{ نَافِلَةً لَكَ } أى فريضة زائدة لك دون أمتك ، فإنها لم تفرض عليهم ، أو فضيلة على الصلوات المفروضة واجبة على نسخ وجوبها عليه ، وقيل: أمره بقيام الليل ندب ، وقيل: وجوب لم ينسخ ، وأفعاله لزيادة الثواب ، وأفعال أمته لتكفير الذنوب ، وقيل: وجب عليها ثم نسخ بالصلوات الخمس ، وبقى عليه A ، والنافلة على كل حال الزيادة مصدر على وزن فاعل ، كالعاقبة والعافية ، وهومفعول مطلق أى تنفل به نافلة ، ولك نعت نافلة ، قيل: أو مفعول التهجد بمعنى صل أى فصل به نافلة .
{ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } اتفق المفسرون أن عسى من الله قطع ، لأنه وقع للإطماع ، والترك مع الإطماع عيب ، تعالى الله عن العيب .
قال أبو هريرة: قال رسول الله A: « المقام المحمود هو المقام الذى أشفع فيه لأمتى » رواه أحمد والترمذى والبيهقى والطبرى ، ويروى يشفع فيه لأهل المحشر كلهم ، فيذهبون عنه إلى منازلهم في الجنة والنار ، وعلى كل حال هو مقام يحمده فيه الأولون والآخرون لاختصاصه يوم الشدة بما ليس لغيره .
وجاء في الحديث: « إِن الشمس تدنو فيبلغ العَرَق نصف الأذن فيستغيثون بآدم للشفاعة فيذكر أكله من الشجرة فيردّهم إلى نوح ، فيذكر دعاه على قومه وهكذا حتى يردّهم إِبراهيم لقوله: هذا ربى ، وهذا أكبر ، وإِنى سقيم ، وإنها أختى ويردّهم موسى لقتل القبطى ، وعيسى لعبادة قومه له ، فيقول سيدنا محمد: أنا لها أنا لها فيشفع ويسجد عند العرش أو تحته ، أو عند باب الجنة أربع سجدات كسجدات الصلاة ، فيقال له: سل تُعط واشفع تُشفّع وقل يسمع ، فذلك المقام المحمود ، وأَنه يرفع رأسه من السجود ويقول: يا رب أمتى ، فيقال: أدخل مَن لا حساب عليهم منها من الباب الأيمن ، وهم شركاء غيرهم في سائر الأبواب »