{ وَعَدَ الله } فى علمه وفى اللوح المحفوظ { الَّذين آمنُوا منْكُم } يا محمد وأصحابه فمروا بالكفار والمنافقين مواجهة وصريحًا ، ولا تخافوا مضرتهم ، فإنها لا تحصل البتة او لا تفيدهم شيئًا ، فغن الوعد باستخلاف وعد بالإحياء والنصر ، وذلك أيضًا امتنان ووسط منكم بين آمنوا وبين قوله: { وعَملُوا الصالحات } ولم يؤخره كما أخره في قوله: { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا } لتعجيل ذكر مسرة المؤمنين ، فان الآية سيقت لذلك ، وأيضًا الايمان هو الأصل الذى ينبنى عليه الاستخلاف ، وهو مستلحق للعمل الصالح إذا تحقق .
ولا شك أن المراد الايمان المحقق ، فالعمل الصالح فرعه فأخره ، فان فسق الامام وأمر بعد الاستتابة عزل ، وإن عاند قتل ، كما ورد في الحديث ، قال أبى بن كعب: لما قدم رسول الله A المدينة والمهاجرون ، رمتهم العرب عن قوس واحد ، والتزموا السلاح ليلًا ونهارًا خوفًا من العرب ، وقالوا هل نعيش حتى نبيت آمنين ، فنزل قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات } .
{ ليسْتخلفَنَّهم في الأرض } الى قوله: { الفاسقون } وقيل: الخطاب في منكم للمنافقين المقسمين جهد أيمانهم ، مقرر لقوله: { وإن تطيعوه وتهتدوا } ويرده أنه ما مضى منهم إيمان محقق ، ولا استقبلنولا قال وعد الله الذين آمنوا منكم إن كان منكم من آمن أو يؤمن ، وزعم بعض ان الخطاب لكل من آمن في أى مكان ، وفى أى زمان في زمان الرسول وبعده ، والجملة جواب القسم ، وهو وعد الله ، لأنه عزيمة وتحقيق ، فهو بمزلة: الله ليستخلفنَّهم ، وبمنزلة أقسم بالله ليستخلفنَّهم ، وقيل التقدير وعد الله الذين آمنوا الخ أن يستخلفهم ، وأقسم ليستخفنَّهم في الأرض ، وهى مشارق الأرض مغاربها ، لقوله A: « زويت لى الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها » .
{ كما ستخْلفَ } استخلافًا ثابًا كاستخلافه { الَّذين من قبلهم } كبنى اسرائيل ، ملكوا الشام بعد هلاك فرعون ، والقبط قيل ومصر ، على أنهم رجعو إليها أو ملكوها ، وهم في الشام ، وكالمؤمنين بعد هلاك عاد ، وبعد هلاك ثمود ، وهلاك قوم لوط .
{ وليمكنَنَّ لهُم دينهم الَّذى ارتضى لَهُم } وهو دين الاسلام ، اختاره لهم ، وأنعم عليهم به ، يثبته لهم ، ويجعله لهم كمكان لساكنه ، فإن أصل التمكين جعل الشىء مكانًا لشىء ، أو جعل الشىء في مكان ، وقد جعلهم الله في الاسلام كإسكان الرجل أهله في دار { وليبدلنَّهُم من بعد خَوْفهم } من أعدائهم خوفًا مطبوعًا في البشر ، ولو كانوا مؤمنين موقتين { أمنًا } عظيمًا في الدنيا ، يزول معه الخوف من أعدائهم البتة ، يورثهم الأرض ، ويجعلهم فيها خلفاء ، كما أورث بنى إسرائيل مصر والشام .