{ فَخلفَ من بعدهم خَلف } قوم سوء ، ويطلق على المفرد أيضا والاثنين ، ومفتوح اللام في الصلاح ، وهو الأكثر ، قال أبو نصر C:
*لنا خلف قد قام من بعده خلف* ... وقال النظر بن شميل: السكون في الخير والشر ، والمفتوح في الخير فقط ، ومن استعمال المفتوح في السوء قول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
بفتح اللام ، ولا يتعين إلا أن كان رواية صحيحة ، وإلا فالاسكان يقبله الوزن ، غايته إسكان ثانى السبب الثقيل ، وقيل الإسكان في الأولاد ، والفتح فيهم وفى غيرهم ، وسواء فيهما السوء والصلاح ، ونسب لابن أبى حاتم ، وعليه فيتبين السوء بقوله تعالى:
{ أضاعوا الصَّلاة } جنس الصلاة ، أخروها عز وقتها كما قيل عن ابن مسعود والنخعى ، ومجاهد وإبراهيم ، وعمر بن عبد العزيز ، أو الإضاعة الإخلال بشروطها من الطهارة والوقت ، وقد قيل تأخيرها حتى يخرج وقتها ، وقيل إقامتها في غير جماعة وهو تشديد ، إلا أن يكون حيث يخاف خراب المسجد ، أو ضعف الجماعة ، والآية في تلك الأقوال واردة على الموحدين ، وإخراج ابن أبى حاتم عن محمد بن كعب القرطبى ، أن إضاعتها تركها ، فشمل أهل التوحيد والشرك ، ففى أهل الشرك خطاب لهم بفروع الشريعة كما قيل إنها فيمن لم يعتقد وجربها ، فإنه مشرك خطوب بالفروع .
والمشهور عن ابن عباس أنها في اليهود ، وعن السدى أنها في اليهود والنصارى ، والمختار أنها في الكفرة مطلقا لقوله بعد ذلك: « وآمن » وزعم بعض أنها في قوم يأتون عند ذهاب الصالحين غير مشركين يزنون بالذكور في الطرق ، ولا يستحيون من أحد ، وقولهم يأتون يخالف المعنى في الآية .
{ واتَّبعُوا الشَّهوات } المحرمات ، لا يتركون إلا مالم يقدروا عليه ، وفيها أيضا مع حرمتها الاشتغال عن الصلاة ، وعد بعض منها تزوج اليهود بالأخت من الأب ، ولا يصح هذا عنهم ، وإنما الذى صح عنهم أنهم يجيزون نكاح بنت الأخ ، وبنت الأخت ونحوهما .
{ فَسوفَ يلْقَّون غيًا } قال أبو إمامة: قال رسول الله A: « هو نهر في أسفل جهنم ، يسيل فيه صديد أهل النار ، لو ألقيت فيه صخرة ما بلغت قعره سبعين خريفًا » رواه الطبرى والطبرانى وغيرهما ، وأخرج جماعة عن ابن مسعود: أن الغى نهر أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر ، خبيث يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات ، وعبارة بعض أنه آثار في جهنم ، سيل فيها صديد أهل النار وقيحهم ، وعن ابن عباس: واد في جهنم تستعيذ من حره أعد للزانى المصر ، وشارب الخمر المدمن ، وآكل الربا لاذى لا ينزع أى لا يكف ، والعاق وشاهد الزور ، وعن قتادة: الغى السوء ، قال المرقش الأصغر:
فمن يلق خيرًا يحمد الناس أجره ... ومن يغو لا يعدم على الغى لائما
وعن ابن زيد: الغى الضلال ، وهو المشهور ، وعليه الضحاك والزجاج ، وعلى ذلك فالمراد جزاء الغى ، وهو ما ذكر ، وقيل ظلالا عن طريق الجنة .