{ يا أيُّها الَّذين آمنوا اجْتَنبُوا كَثيرًا مِنَ الظنِّ } دعاء الى الاحتياط وتحضيض عليه ، واذا اتسع المباح وخيف فيه قليل محرم اجتنب كله لئل يوقع في ذلك القليل ، ويجوز أن يكون المراد اجتنبوا اجتنابا كثيرا ، فتكون من بمعنى عن لتضمن اجتنبوا معنى اعرضوا ، قيل: قال: { كثيرا } لأن الظن: واجب ، وهو ظن الخير بالله تعالى ، ومندوب اليه وهو الظن الحسن بالمسلم ، ومحرم ، وهو ظن السوء بالله D ، وبالمسلم في فعله أو قوله أو اعتقاده ، والاجتناب الحذر والترك والتباعد ، وأصله جعل الشىء جانبا ، ولا بأس بملاحظة هذا المعنى ، أى لا دخل فيه ، بل تتجاوزه ويتجاوزك حتى يتضح لك الأمر ، قال A: « حرم من الرجل دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء » قالت عائشة رضى الله عنها ، عن رسول الله A: « من اساء بأخيه الظن فقد أساء بربه الظن » ان الله تعالى يقول: { اجتنبوا كثيرا من الظن } .
ويجوز الظن بأمارة كما اذا رأيت انسانا يدخل دار الفسق أو بيت الخمر ، أو يصحب الغوانى ، أو يديم النظر الى المرد ، وجاء الخبر: الأمر بسوء الظن في الناس مطلقا ، بمعنى أخذ الحذر منهم ، روى الطبرانى وابن عدى ، عن أنس عنه A: « احترسوا من الناس بسوء الظن » وعنه A: « إن من الحزم سوء الظن » .
كتب صحابى الى سعيد بن المسيب: ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك ، ولا تظن بكلمة أخرجت منه سوءًا ما وجدت لها محملا ، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه ، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده ، وما كافيت من عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله تعالى فيه ، واكتسب اخوان الصدق فانهم زينة في الرخاء ، عدة في البلاء ، ولا تتهاون بالحلف فيهينك الله تعالى ، ولا تسأل عما لم يكن حتى يكون ، ولا تضع حديثك إلا عند من تشتهيه ، وعليك بالصدق وان قتلك ، واعتزل عدوك ، واحذر صديقك الا الأمين ، ولا أمين الا من خشى الله تعالى ، وشاور في أمرك الذين يخشون ربهم الغيب .
قال حارثة بن النعمان ، عن رسول الله A: « ثلاث لازمات أمتى: الطيرة ، والحسد ، وسوء الظن » فقال رجل: ما يذهبهن يا رسول الله؟ قال: « اذا حسدت فاستغفر الله » وروى: « فلا تبغ ، واذا ظننت فلا تحقق ، واذا تطيرت فامض » رواه الطبرانى ، وروى الحسن مرسلا عنه A: « ثلاث لم تسلم منهن هذه الأمة: الحسد والظن والطيرة ألا أنبئكم بالمخرج منها؟ اذا ظننت فلا تحقق ، واذا حسدت فلا تبغ ، واذا تطيرت فامض »