{ وإِنَّ لَكُمْ فِى الأَنْعَامِ لَعِبْرَةٌ } انتِقالا من جهل إِلى علم ، والعبرة العبور وأصله المشى في الماء من جانب إِلى جانب ، أو على نحو فنظرة مجاز في غير ذلك ، وقيل حقيقة في الكل ، ولا شك أنه ليس في الأنعام نفس انتقال الناس إلى العلم إلا توسعا ، أو على التجريد البديعى ، وليس في الأنعام عبرة ، بل هى نفسها عبرة ، فبولغ في ذلك حتى ولد منها ما هو عبرة هذا كله قبل قوله:
{ نُسْقِيكُمْ } إِلخ ، ولك أن تقول أطلق المسبب وهو العبور على سببه ، وهو ما به العبور ، وهو السقى من لبن فيها ، من بين فرث ودم ، فقوله: نسقيكم إِلخ مستأنف للبيان كأنه قيل: ما هى؟ فقال: نسقيكم أو بيان للنكرة بالمعرفة التى هى مصدر مؤول نسقيكم على تقدير حرف المصدر ، الذى حذف ورفع الفعل بعد حذفه ، أى سقيًا لكم أو ينزل مرفوعًا منزلة الاسم كما هو في قول تسمع بالمسيدى إلخ ، وما ذكرته من الإطلاق مجاز في الأصل ، وهو حقيقة عرفية في اللغة لا حقيقة في أَصل اللغة .
{ مِمَّا فِى بُطُونِهِ } أَى بطون الأنعام ، وذكر ضميره ، وأفرد لأنه اسم جمع كرهط ، وما كذلك يذكر باعتبار اللفظ ، ويؤنث باعتبار المعنى كما فى { قد أفلح } ولو كان جمعا كما هو قول لتعين التأنيث ، هكذا مما في بطونها ، وقيل: ذكر باعتبار ما ذكر على أنه جمع نعم ، وقيل: باعتبار معنى البعض ، وهو الإناث فإِن ذكورها لا لبن لها ، أو باعتبار الواحد فإن العبرة في كل واحد على حدة ، وهذا الواحد الحيوان الذى هو أنثى من الأنعام ، والذى في كتاب سيبويه أن الأنعام اسم مارد على وزن أفعال كأخلاق وأسمال للثوب البالى ، وأكياس للثوب المخصوص الذى غزل غزله مرتين ، وفى المثل: عليك بالثوب الأكباش ، فإنه من ثياب الأكياس وأعشار لبرمة مركبة من حجارة ، وقال الكسائى: أفرد لتأويل ما ذكر ، وذكر بعذ أن جمع غير العاقل نحو أفراده وتذكيره بتأويل الجمع وتأنيثه بتأويل الجماعة .
{ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ } من الأولى للتبعيض ، لأن اللبن بعض ما في بطنها ، وإن جعلت للابتداء كالثانية ، فالثانية ومدخولها بدل اشتمال من الأولى ، ومدخولها والرابط محذوف أى من فرث ودم فيه .
{ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشّارِبِينَ } فلا يختنق أحد باللبن ، ولو اختنق لم يشكل ، لأنه في الجملة سائغ ، والفرث ما أكلته الدابة ، وهضم ما دام في البطن ، وإذا خرج فروث ، وقبل الخروج أوث ، بمجاز الأول وبعده فرث بمجاز ما كان عليه الشئ ، ومن للابتداء متعلق بنسقى ، ولبنًا مفعول ثان لنسقى ، ومعنى خالصًا لا يخالطه بعض فرث أو بعض دم بنفسه ، أو لونه أو ريحه أو طعمه ، مع أنه بينهما ، ولا شئ من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه ، وإن وجد فيه الدم غالبًا نجس البس سبل شقيق عن الإخلاص فقال تمييز العمل من العيوب ، كتمييز اللبن من بين فرث ودم ، ومعنى سائغًا سهل المرور في الحلق ، وإذا هضم الطعام فصافية يذهب إلى الكبد ، والكثيف ينزل إلى الأمعاء ، وما جبذ إلى الكبد يصير ماء بهضم ثان ، ويخلط بصفراء تذهب إِلى المرارة ، وبسوداء ذهب إِلى الطحال ، وبزيادة المائية تذهب إلى الكلية ، ومنها إلى المثانة .