{ قَالُوا } أَى إِخوى يوسف { جَزَاؤُهُ } والجملة خبر جزاؤه والرابط كونها نفس المبتدإِ في المعنى وإعادته بلفظه أَيضًا ، أَو من موصولة أَحد فهو جزاؤُهن أَى فالاسترقاق جزاؤُه ، أَو جزاءُه بمعنى ما يجازى به والمجموع تأْكيد لما قبل مقرون بالفاءِ كأَحد الأَوجه في قوله تعالى { إياى فارهبون } حكموا شرعهم في أَن السارق عبد للمسروق منه ، وأَعاد الظاهر موضع ، ولم يقل فهو هو للإيضاح ، والعرب إِذا فخمت شيئًا أَعادته بعينه { كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ } وتقدم الكلام في مثل هذا التشبيه ، والمراد بالظلم السرقة لأَنها المذكورة هنا ، ولأَن الاسترقاق جزاءُ لها لا لغيرها ، { فَبَدَأَ } المؤَذن { بِأَوْعِيَتِهِمْ } أَوعيه إِخوة يوسف من جملة القافلة ، وقيل الضمير في بدأَ ليوسف لقوله: { ثم استخرجها من وعاءِ أخيه } لأَن الأَخ أَخ ليوسف لا للمؤَذن ، وليس كذلك فإِِن الهاءَ ليوسف قطعًا لكن لا مانع من رد ضمير بدأَ للمؤَذن مع رد الهاءِ للأَخ ، فإ ، الكلام قيل للمؤَذن تارة ، وله مع من معه أُخرى وهو المقصود بالذات ، فضمير بدأَ له لا ليوسف ، وأَيضًا البدءُ للمؤَذن حقيق وليوسف مجاز ، إِذ لا يباشر البدءَ ، وكذا الاستخراج ، والحقيقة أَولى من المجاز ، وعلى القول برده إِلى يوسف يكون التفتيش بردهم إِلى مصر ، ولعى كل العطف على محذوف تقديره أَرادوا التفتيش ، أَو أُريد التفتيش ، أَو ردوا إِلى مصر فبدأَ تفتيش أَوعيتهم ، والهاءُ لغير بنيامين من إِخوة يوسف لقوله: { قَبْلَ وِعَاءٍ أَخِيهِ } وهو تأْكيد لما فهم من قوله فبدأَ بَأَوعيتهم وبيان لكون الضمير لإِخوة بنيامين ، ولا مانع من إعتبار أَهل الرفقة كلهم في التفتيش فبدأَ منهم بإِخوة يوسف { ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ } بنيامين زيادة في الإخفاءِ ، ولو بدأَ به لتوهم الاتفاق ، وهذا على أَن المؤَذن عالم بالوضع أَو المفتش يوسف ، لما أَقر إِخوة يوسف بأَن السارق يسترقه صاحب المال في شرعهم ، قال المؤَذن ومن معه لا بد أَن تفتشوا واحدًا بعد واحد ، ولا يقبل ما قيل من أَن يوسف لا ينظر في رجل أَحدهم إِلا استغفر الله - D - مما قذفهم به لأَنه غير قاذف حتى لم يبق إِلا بنيامين ، قال ما أَظن هذا أَخذ شيئًا ، وصدق أًنه لم يأْخذ لأَنه ليس آخذًا للصواع بل جعله في رحله غيره ، قال إِخوة يوسف: والله لا نتركك حتى تنظر في حله فإِنه أَطيب لنفسك وأَنفسنا ففتح فوجد فيه ، وهاءُ استخرجها عائِد إِلى الصواع ، لأَنه يذكر ويؤَنث ، أَو يذكر لكن أَنث هنا لتأْويل لاسقاية المجعولة في رحله التى ذكرت في قولنا جعل السقاية في رحل أَخيه ، ورد بعضهم الضمير إِلى السرقة ، وهو ضعيف لأَن إِيقاع الاستخراج عليها مجاز مستغنى عنه ، وإن أول بمعنى المسروق مجاز أَيضًا قال له إِخوته: كيف سرقت هذا يا ابن راحيل؟ فرفع رأْسه إلى السماءِ ، فقال: والله ما سرقت ، فقالوا: فمن جعلها في رحلك؟ قال: الذى جعل البضاعة في رحالكم { كَذَلِكَ كِدْنَا } احتلنا { لِيُوسُفَ } كدنا له مثل ذلك الكيد العظيم ، أَو شبه ما يفهم من معانى الألفاظ بما هو الواقع المتشخص في نفس ، وهذا وجه غريب يستحضره في مثل هذا المقام ، وكذا يجوز جعل الكاف صلة للتأْكيد ، ويجوز عود الإِشارة إلى حكم إِخوة يوسف باسترقاق السارق ، ولما أَخرجوا الصواع من رحله نكس إخوته رءُوسهم من الحياءِ ، وأَقبلوا عليه يلومونه ويقولون: فضحتنا وسودت وجوهنا يا ابن راحيل ، ما زال لنا منكم بلاءٌ حتى أَخذت هذا الصواع ، فقال: بل بنو راحيل ما زال عليهم بلاءٌ منكم ، ذهبتم بأَخى فأَهلكتموه في البرية ، وضع هذا الصواع ، في رحلى الذى وضع البضاعة في رحالكم ، فاسترق بنيامين ، واللام للاستحقاق ، أَو بمعنى في أَى في شأْن يوسف أَو للتعليل { مَا كَانَ } يوسف { لِيَأْخُذَ أَخَاهُ } بنيامين { فِى دِينِ } فى حكم { الْمَلِكِ } ملك مصر الريان مثلا بل دينه ضرب السارق وتغريمه ما سرق ، أَورده مع الضرب إن كان موجودًا لا استرقاق السارق ، وقيل: الضرب ومثلان للمسروق ، ويوسف في ظاهر الأَمر هو من الملوك المتداولة على مصر من أَهلها ، فليس يعلم شرع يعقوب في السرقة وهو في الحقيقة عالم به ، وقد استرقته عمته إذ كان طفلا بدسها متاعًا في لباسه ، ولذلك دس الصواع فيأْخذ من هو في رحله { إِلاَّ أَن يَشَاءُ اللهُ } أَى إِلا بأَن يشاءُ الله أَلهمه سؤال إِخوته بنفسه وبواسطة المؤَذن ، ويشاء جوابهم بسنتهم ، ويجوز أَن يكون الاستثناءُ منقطعًا ، والمعنى لكن شاءَ الله أَخذه بغير دين الملك ، على أَن يوسف لم يعلم ذلك ، أَو علمه ويحسب كونه غير ولد يعقوب في الظاهر لا يحكم بالأخذ { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ } رفع درجته كيوسف على إخوته { وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } لا عالم في الخلق إلا وفوقه أَعلم منه ، الله أَعلم ممن انتهى إليه العلم منهم ، أَو فوق كل عالم من الخلق عالم هو الله - D - وعلمه ذاتى ، ومن زعم أَن علمه بصفة زائِدة على الذات حالة فيه أَو مفترقة به فقد شبه الله بخلقه إِذ عدَّد القدماءَ وجعله محتاجًا إِلى ما يعلم به أَو جعله محلا للصفة .