{ فَوَسْوَسَ } تكلم كلاما خفيا ، وأَصله صوت الحلى وفيه تكرر { لَهُمَا الشَّيْطَانُ } أَوقع الوسوسة لأَجلهما ، وهذا باللام ويقال: وسوس إِليه با لى بمعنى أَنهى إِليه الوسوسة ، ويجوز كون اللام في الآية بمعنى إِلى { لِيُبْدِىَ } يظهر { لَهُمَا مَا وُورِىَ } أَخفى { عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا } عوراتهما ، وكانت مستورة بلباس الجنة أَو بشئٍ من جسدهما كظفر أَلين كجلدهما ولم يبق منه إِلا الأَظفار للتذكرة والانتفاع والزينة ، أَو بنور ، والأَول أَولى لتبادره ، واللام في ليبدى للعاقبة على أَنه لعنه الله لا يدرى أَنه إِذا أَكلا منها يعريان ، أَو كان عارفا بذلك لفهمه أَو لسماعه من الملائكة ، أَو برؤيته في اللوح المحفوظ ، فتكون للتعليل فيكون قد وسوس ليوقعهما في المعصية فيخرجا من الكرامة ، وإِبداء عورتهما لهما أَشد عليهما من أَن يعريا بدون أَن يراها ، وفى الآية تقبيح كشف العورة عند الزواج أَو في الخلوة بلا حاجة ، وكانا قبل ذلك لا يريانها من أَنفسهما ولا من أَحدهما ، والسوءَات فرجا كل واحد فهن أَربعة ، أَو أَراد القبلين فجمع لكراهة إِضافة تثنية لتثنية ، وفسر الوسوسة بقوله { وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ } أَى كملكين { أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ } فى الجنة ، شهر أَنه دخل في فم الحية إِذ قربت من باب الجنة وهى فيها فسمها منه ، فوسوس لهما فعوقبت بسلب قوائمها وليس بصحيح ، أَو قرب من باب الجنة فوسوس إِليهما من خارج ، وقد أَراد دخولها خفية للوسوسة فمنعه الخزنة ، وقعد للوسوسة على بابها ثلاث ساعات وهى ثلاثمائة سنة من سنى الدنيا فوسوس ، ولما رفع إِدريس إِلى السماءِ السابعة منع منها ، ولما رفع عيسى إِلى الرابعة كان يدخل الثالثة ، ولما أُسرى برسول الله A منع منهن كلهن ، أَو جعل الله له قوة الوسوسة من الأَرض إِلى الجنة ، وكان آدم عليه السلام يتعاطى أَن يكون كملائكة القرب من العرش لشرفهم ولعدم حاجتهم للأَكل والشرب ولقوتهم ولعلمه أَنهم لا يموتون رغب في هذه الخصال ، ولو كان أَفضل منهم من جهة أُخرى ، وكان عالما بأَن الله D فضله عليهم وأَسجدهم له ، وقيل أَسجد له ملائكة الأَرض فقط فليس في الآية دلالة على أَفضلية الملائكة عليه ، وأَوهمهما إِبليس والعياذ بالله تعالى منه أَن الله نهاهما عن أكل ثمار الشجرة لئلا يكونا منهم ، ولئلا يكونا خالدين فيها ، أَى كراهة أَن يكونا ملكين أَو يكونا خالدين ، فاختار الأَكل منها على الكون منهم ، وعلى الخلود وهذا ظاهر الآية ، وهو بعيد ، بل المراد أَنه تعالى نهاكما عن الأَكل منها لأَنكما إِن أَكلتما منها كنتما بمنزلة الملائكة ، أَو خلدتما ، رغبهما في أَكلها طمعا لحصول أَحد الأَمرين ، قيل أَو كليهما ترغيبا على أَن أَو بمعنى الواو فيناسب هذا أَن يقدر إِلا كراهة إِلا أَن لا تكونا ملكين ، أَو كراهة أَن لا تكونا ملكين . كما قال « هل أَدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى » وتصديق آدم عليه السلام لإبليس لعنه الله - في الخلود بمعنى المكث الطويل غير كفر بل صدقه في المكث الدائم لم يكن كفرا لأَن ذلك قبل إِخبار الله له بالموت والبعث ، وقيل: لم يصدقاه بل غلبهما اشتهاء الأَكل ، وآية طه تدل على أَن رغبتهما في الأَكل أَكثر منها في التملك .