{ ثم أرسلنا رُسُلنا } ثم للترتيب الذكرى بلا تراخ ، لا لترتيب الحكم ، وإلا فليس الرسل متأخرين عن الأمم كلها ، والحاصل: أنشأنا من بعدهم قرونًا آخرين ، قد أرسلنا إلى كل قرن منهم رسولًا خاصا به ، ولفظ أرسلنا رسلنا كتحصيل الحاصل .
الجواب: أن المعنى أرسلنا في الخارج من سبق في علمنا ، أنا سنرسله ، أو أرسلنا من تأهل لأن يكون رسولا أو من أردنا إرساله { تترا } اسم مصدر هو التواتر بمعنى التتابع ، مع الفصل القليل وقيل: الفصل مطلقا ، والتاء الأولى عن واو كتراث وتجاه ، وهو مفعول مطلق على حذف مضاف ، أى ارسال متواترة ، أو ضمن أرسلنا معنى واترانا ، أو حال من رسل على حذفه أيضًا أى ذوى تواتر ، أو بمعنى الوصف ، أى متواترين وألفه للتأنيث أو الإلحاق .
{ كلَّ ما جاء أمةً رَسُولها كذَّبوه } كل ظرف لإضافته الى المصدر الذى بمعنى الزمان ، لأن ما مصدرية أى كل جىء أمة رسولها كذبوه ، وهو متعلق بكذبوه ، كما تقول جاء زيد كل طلوع وكل غروب ، والمجىء التبليغ أو الملاقاة بالوحى ، ولا يتوهم أحد أن كل رسول جاء الأمم كلها للعلم وللنص ، على أنهم يموتون ، فضلا عن أن ياقل: أضيف رسول للأمة إزالة لذلك الوهم ، بل أضيف إليها لا الى ضمير الجلالة ، ليقبح أحوال من جاءه رسول خاص به تعين له .
{ فأتْبعنا بعضهم بعضًا } فى الإهلاك ، وذلك في الجملة لأنه ليس كل أمة قد كذبت ، فاهلكت ، بل من كان كذلك كقوم نوح ، أورد الضمير الى الكل بمعنى من أهلك فقط { وجَعَلناهم } جعلنا أخبارهم { أحاديث } جمع أحدوية ، كأعجوبة بمعنى الحديث الذى يذكر تعجبا به ، أو تلهيا ، وقيل: اسم جمع لحديث كقطيع وأقاطيع ، وخصه الأخفش بالشر { فبعدا لقوم لا يؤمنون } هو مثل ما مرَّ ولم يذكرهم بالظلم ، لأنه لم يذكر غلوهم كما ذكر غلو من تقدم ، فوصفهم بالظلم .