فهرس الكتاب

الصفحة 4740 من 6093

{ إنَّما المؤمنُون الَّذين آمنُوا باللَّهِ ورسُوله ثمَّ لَم يرتابُوا } لم يعترهم شك كما يعترى من ضعف ايمانه ، وذلك مقابل لمن آمن ثم ارتاب ، ولمن ارتاب في ايمانه من أول ، وذلك تعريض بالأعراب ، وثم للتراخى في الزمان ، أى طالت مدتهم في الايمان ولم يعقبه ارتياب ، أو لتراخى الرتبة فان رتبة انتفاء الارتياب أعظم من مطلق الايمان ، لأن الأعمال بخواتهما ، وعلى ما يصلحها فيكون كعطف جبريل على الملائكة ، فقديم ايمانهم وحديثه كلاهما طرى جديد .

{ وجاهدوا بأمْوالهم وأنفُسهِم في سَبيلِ اللَّه } فى طاعته D على كثرة أنواعها ومشاقها كالحج والجهاد ، والزكاة والصدقة ، والصلاة الفريضة ، والنفل ، وقدم الأموال لحرص أكثر الناس عليها حتى أنهم يهلكون أنفسهم في شأنها ، كأنه تهون أنفسهم بالنظر الى المال ، فذلك تدل لا ترق ، ولأن الآية تعريض بالأعراب المذكورين الذين همتهم المال ، ويجوز أن يكون قدم الأموال على سبيل الترقى ، من حيث ان لنفس لا بد أعز من المال عند الشدة ، أو عند تناهى الأمر ، ومعنى جاهدوا: أبلغوا جهدهم أى طاقتهم ، فلا مفعول له أو معناه دافعوا فمفعوله محذوف ، أى جاهدوا العدو والشيطان والنفس والهوى { وألئك } الموصوفون بتلك الصفات { هُم الصادقون } فى دعوى الايمان ، لا هؤلاء الأعراب ونحوهم ، وحلف هؤلاء الأعراب أنهم صادقون في دعوى الايمان ، وهم كاذبون في حلفهم ، فقال الله تعالى فيهم:

{ قُل } لهؤلاء الأعراب { أتعلِّمون الله بدينِكم } أتخبرونه بدينكم ، وهوانكم مؤمنون مخلصون في زعمكم ، يقال: علمت بكذا بالتخفيف وكسر اللام وباء الالصاق وهو لازم ، أى اتصل ادراكى به ، فاذا شدد كان له لفظ آخر منصوب كلفظ الجلالة في الآية ، وقيل: الباء لتضمن معنى الاحاطة أو الشعور بالاحساس ، فيفيد مبالغة باجراء ذلك مجرى المحسوس ، وفيه أن هذه المبالغ معتبرة بهم ، لا به تعالى ، بمعنى انهم جعلوا الله محيطا وحاسا بهم ، ولا كبير فائدة في ذلك ، ومن أين لنا أن نعلم أنهم قصدوا هذه الاحاطة ، أو الاحساس حاشى الله أن يصيره أحد على شىء ، كالاحاطة وحشاه أن يوصف بالاحساس ، وكيف يخبرونه بشىء مع أنه لا يجهل شيئا .

{ واللَّهُ يعْلَم ما في السَّمواتِ وما في الأرض } عبارة عن علم كل شىء ولو في غيرهما ، وحكمة التعبير بهما أنهم في الأرض ، وهو تعالى يعلم ما فيها ، وذكر السماء لمناسبة ذكر الأرض ، والجملة الكبرى حال من لفظ الجلالة في قوله: { أتعلِّمون الله } وصرح بعموم عمله على الاطلاق في قوله تعالى: { واللَّهُ بكلِّ شىءٍ عَليمٌ } فهو يعمل بما أخفيته من الكفر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت