{ لقد أنزلنا آيات مبيِّناتٍ } لما يليق بالحكمة بيانه { والله يَهْدى } بالتوفيق { مَن يشاء } هدايته به { الى صراط مستقيم } يوصل الى المقصود وهو الجنة ، ومن حالفه كفر ، ولو قال بلسانه: لا إله إلا الله محمد رسول الله A ، كما روى أن بشرًا المنافق خاصمه يهودى الى رسول الله A ، وخاصمه بشر الى كعب بن الأشرف ، ثم وافقه الى رسول الله A ، فحكم لليهودى فحاكمه بشر الى عمر ، فقال اليهودى: قد حكم لى النبى A ، ولم يرض ، فقال لبشر: أكذلك ، فقال: نعم ، فقال: مكانكما ، فدخل بيته فخرج بسيفه ، فقتل به بشرا ، وقال هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله تعالى ورسوله A ، ونزل جبريل عليه السلام فقال أن عمر فرق بين الحق والباطل ولقب لذلك بالفاروق فنزل في ذلك قوله تعالى:
{ ويقولون } أى المنافقون { آمنَّا بالله وبالرسول } الى قوله: { أولئك هم المفلحون } ولا مانع من أن يقال: { الى الفائزون } وقيل: نزلت في المغيرة ابن وائل ، أقسم أرضا هو وعلى ، فكان لعلى ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة ، فقال لعلى: بع لى سهمك ، فاشتراه فندم لقلة ما يناله من الماء ، ولأنها سبخة ، وقال له: خذ أرضك ، فان الماء لا ينالها ، فقال له علي: قد علمت حالها ، واشتريتها ، فخاصمه على الى النبى A ، فقال: لا إن محمدًا يبغضنى ، فأخاف أن يحيف على فنزلت الآية في ذلك .
فتقول: وقعت القصتان جميعا ، فنزلت بعدهما ، وإذا اتحد الفاعل فتزل القرآن بالجمع كهذه الآية ، فلعموم الحكم ، ولو خص السبب ، أو لأن مع الفاعل من ساعده على فعله ، وإذا فعل الفاعل فعله ، ونزل القرآن بصيغة التكرار فلأن من شأن ذلك الفاعل أن يكرره ، ولو لم يكرره لأنه أصر أو يحمل المضارع على طريق حكاية الحكاية الحال الماضية لتكون كالأمر المشاهد ، لا على التكرير .
{ وأطَعْنا } أى الله والرسول في الأمر والنهى { ثم } لتراخى الرتبة { يتولى } يعرض عن الاطاعة المدعاة ، أو عن مضمون قول آمنا بالله وبالرسول والطاعة { فريقٌ منهم من بعْد ذلك } المذكور من القول ، والادعاء ، وإشارة البعد الى القريب إعظام له في التحريم ، وكذا قوله: { وما أولئك } المنافقون القائلون آمنا بالله وبالرسول ، ويجوز عود ولو المتولى { بالمؤمنين } المعهودين بالاخلاص ولاثبات ، ويجوز عود ولو يقولون للمؤمنين ، فيكون أولئك للفريق المتولى ، فيكون ثم للاستبعاد ، كأ ، هه قيل كف يدخلون في زمرة المؤمنين مع نقضهم .