{ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ } إِذ قال لأَستغفرن لك ، سأَستغفر لك ربى { إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا } إِبراهيم { إِيَّاهُ } أَبَاه فهى مخصوصة بإِبراهيم لا يجوز ذلك لغيره ، ولم يعده الله لغيره ، فذلك نفس مذهبنا ، وزعم بعض أَنه يجوز عود ضمير وعد لأَبى إِبراهيم وإياه ضمير إِبراهيم ، وأَنه وعد لابنه إِبراهيم أَن يسلم فاستغفر له لوعده ، وهذا لا يجوز الآن . { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } بالوحى بأَنه لا يؤْمن أَو بالموت على الكفر وأَما بدونهما فالتوبة محتملة ، . { أَنَّهُ عَدُوُّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ } قطع على الاستغفار ، وأَما غير إِبراهيم فيبرأُ من الكافر عند الجزم بكفره لا ينتظر موتًا ولا غيره ، فكن أَنت يا محمد لا تستغفر لكافر بعد الجزم بكفره ، ولا تنتظر موتًا ولا غيره ، والتقييد بالموت ونحوه مخصوص بإِبراهيم والعدة مخصوصة به ، وذلك نفس مذهبنا ، وسائِر الآيات الآمرة ببغض الكافر وإِقصائِه وبراءَته أدلة لنا كيف يجتمع بغضنا له وإِقصاؤُه والاستغفار له . لا والله فإِنه تناقض ، وبقى طلب الهداية فأُجيزت في قول وقد تقاس على الاستغفار فتكون الآية نهيًا له A عنها أَيضًا { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ } كثير التأُوه وهو قول أُوه أُوه تضرعًا ودعاءً لفرط ترحمه ورقة قلبه كلما ذكر أَمرًا من الآخرة أَو تقصيرًا ما أَشفق . وفى الحديث: الأَواه الخاشع المتضرع فالتأَوه شامل للخشوع وكثرة الدعاءِ والتوبة والرحمة والإِيقان وكثرة التذكر والتسبيح والتعليم والرجوع عما يكره وتعلق القلب بالله تعالى { حَلِيمٌ } صبور على الأَذى لا ينقم ولا يحقد ، بل يجازى السوءَ بالخير كما قال لأَبيه: سأَستغفر لك ربى فإِذا قال لأَرجمنك ، وإِذا آذاه أَحد قال: هداك الله ، وبتلك السيرة فسر الحلم ، وهذه الآية بيان لما حمله على الاستغفار له ، وليس فيكم ما فيه من الرأْفة حتى يباح لكم ما أُبيح له مما وعد له وعدا فقط ، والنبى A ولو كان أَرأَف منه لكن حمله الله وأُمته على طريق واحد ، وكانوا يستغفرون لموتاهم المشركين ، ولما نزل المنع خافوا العقاب عما صدر منهم قبل المنع أَو بعده وقيل وصول الخبر فنزل:
{ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا } أَى لينسبهم إِلى الضلال فيعاقبهم أَو ما كان الله ليعاقبهم عقاب الذين ضلوا { بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } بعد وقت هدايتهم إِلى الإِسلام لا ما قيل أَن إِذ بمعنى أَن المصدرية . { حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } فإِذا بينه لهم فلم يتركوه سماهم ضالين ، وعاقبهم . والمعتبر عموم معنى اللفظ ولو خص سببه فشملت الآية من شرب الخمر ومات قبل تحريمها ومن شربها بعد تحريمها وقبل وصول الخبر إِليه ، ومن صلى إِلى المقدس ومات قبل التحول ومن صلى إِليه بعد التحول وقبل وصول الخبر إِليه ، وفى كل مرتكب محرم قبل نزوله أَو بعده وقبل وصول الخبر ، وقد قيل: نزلت في هذه الأَشياءِ كلها { إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } فهو عالم بأَنك غافلون لم يبلغكم الوحى نزل أَو لم ينزل .