{ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } محط الاستفهام الإنكارى هو قوله ، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ، والخطاب للناس مطلقا ، فدخل فيهم المان والمؤذى والمرائى { أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ } تطلق الجنة على أرض الشجر ، وهو المختار ، في قوله: جنه بربوة ، فهى أرض في جملة أرض مرتفعة ، ولا يلزم ذلك لجواز أن يراد الأشجار ، وهو أنسب بقوله ، فآتت أكلها ، ولو جاز أن يقال في أرضها أنها آتت أكلها ، وتطلق على نفس الشجر كما هنا ، ويدل له بيانها بقوله D: { مِّنْ نَخِيلٍ } جمع نخل أو مثله { وَأَعْنَابٍ } ويدل له أيضًا قوله { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ } كأنه قال: أن تكون له نخيل وشجر عنب عظام ، بدليل التنكير في جنة وفيهما ، وتكون لهما جميع أشجار الثمار بدليل قوله { لَهُ فِيهَا } فى الأشجار المعبرة عنها بالجنة { مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ } رزق ثابت من كل الثمرات ، أى من كل أنواع الثمرات ، واقتصر على ذكر النخل والأعناب لشرفهما ولكثرة منافعهما ، لأن فيهما إداما ، ويكون منهما الخل والزبيب والعسل ، ويدخران ، وهما ألذ ، ولا وخامة فيهما . ويكونان غذاء ، والعنب والرطب والبسر فواكه أيضًا ، والمراد بكل الثمرات استغراق أنواعها ، لما مر من أن التمثيل يصح ولو فرضا ، أو الاستغراق عرفى ، أى من كل الثمرات بحسب المعتاد ، والمراد بالثمرات المنافع التى توجد في البساتين ، يذكر النخل بنفسها والكرم بثمره ، لأن النخلة كلها منفعة والكرم لا نفع إلا في ثمارها ، والنخلة عمتنا أيضًا فكانت أولى بالذكر بنفسها ومن فضائل العنب ما قيل عن الله سبحانه: أتكفرون بى وانا خالق العنب { وَأَصَابَهُ } أى ويصيبه الكبر ، أو المراد ، يود أحدكم أن كانت له جنة . . . الخ وأصابه ، أو أن تكون له جنة الخ . . والحال أنه أصابه ، وفى جعل الواو عاطفة أنه تمنى الإصابة ، وهو لا يتمناها ، فليست عاطفة وكون الاستفهام للإنكار لا يدفع هذا الإشكال { الْكِبَرُ } كبر السن والفقر في كبر السن أشد منه في الشباب وما يليه { وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ } لصغر السن ، أو للجنون ، أو العلل ونحو ذلك ، أو كله ، أو بتعدد ، فهو في عجز لكبر ، وفى كثرة عيال ضعفاء ، لا يكسبون له ولا يدفعون عنه { فَأَصَابَهَآ } تعقيب لا سببية { إِعْصَارٌ } ريح تتلف ، حاملة للتراب . مستديرة على نفسها ، كعمود إلى جهة السماء ، سمى لأنه يعصر السحاب أو الأجسام ، أو لأنه كثوب أعصر ، أى عصر ، أو لف بالعصر ، فأصله مصدر ، وهو الزوبعة ، هابطة أو صاعدة ، وخصها بعض بالصاعدة ، إلا إن أراد بالصعود كونها طويلة إلى جهة السماء ، وسبب الهابطة أنه تنزل ريح من سحابة وتعارضها في نزولها قطعة من السحاب تحتها ، فتكون بين ريح فوقها ودافع من تحتها ، فلا تستدير وتزداد تلويا بعوج المنافذ ، وسبب الصاعدة أن تصل المادة الريحية الأرض وتقرعها وتغلبها ريح أخرى فتستدير وتلتوى ، وقد تكون من تلاقى ريحين شديدين ، وقد تقطع الأشجار وتخطف المراكب في البحر ، والنازلة القائف كالراقص ، والصاعدة لا يرى للفائفها إلا الصعود وتكونان أيضا بمحض قدرة الله سبحانه { فِيهِ نَارٌ } معنوية ، وهى شدة الحرارة ، أو حقيقية كنار الصاعقة ، وكما يراها هود عليه السلام وغيره في ريح عاد في الجو { فَاْحَتَرَقَتْ } ففقدها أحوج ما كان إليها لضعفه وعياله كذلك من قدم أعمالا صالحة ، كالإنفاق ، ويظنها نافعة ، وقد أفسدها بالمن والأذى أو الرثاء أو نحو ذلك ، فيفقد ثوابها يوم القيامة أحوج ما كان ، وذلك استعارة تمثيلية ، وقد روى عن ابن عباس ما ذكرته من العموم إذ قال ذلك الرجل عمل بالطاعة وسلط الشيطان عليه ، فعمل بالمعاصى حتى أحرق أعماله { كَذَلِكَ يُبَيِّينُ اللهُ لَكُمُ الأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } كى تتفكروا في معانيها ، وتعلموا بها فتدركوا أن الدنيا فانية فتعلموا لما يدون ، أو ارجعوا التفكر في ذلك واستعملوه .