{ الَّذِينَ صَبَرُوا } هم الذين صبروا أَو أَعنى أَو أَمدح الذين صبروا أو نعت للذين والمراد الصبر على الشدائد من أَذى المشركين ومفارقة الوطن والعشيرة ومن يعاشرون على الطاعات وعلى المصائب وعن المعاصى ، ولكن المقام مقامً ذكر الصبر على شدائد المشركين فإذا أُريد العموم دخل أَذاهم بالأَولى { وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } لا على غيره ، ولا مع غيره ، فيرزقون من حيث لا يحتسبون ، ولا يضرهم مفارقة الوطن ، والمضارع لحكاية الحال الماضية الاستمرارية التى هى الانقطاع إِلى الله D وترك الأَمر كله إِليه ، قال كفار قريش: الله أَعظم من أَن يكون رسوله بشرًا بل يكون ملكًا فأَنزل الله D:
{ وَمَا أَرْسَلْنَا } إلى الأُمم { مِنْ قَبْلِك إلاَ رِجَالًا } آدمين وما قيل من نبوة حواءَ ومريم وآسية وههاجر وبوخابد أَم موسى قول ردىءَ مخالف { نُوحِى إِلَيْهِمْ } ولو أنزلنا ملكًا على صورة بشر لقالوا إنه بشر ، وعلى صورته لم يطيقوا مشاهدته ، ولو قواهم على مشاهدتهم على صورهم لكان إيمانهم لو آمنوا غير نافع ، لأَنه كإيمان من وجه الله إليه العذاب أَو شاهد أَمر الآخرة ، ولكان كفرهم إن بقوا عليه موجبًا لتعجيل العذاب ، كعقاب أصحاب المائدة وقوم صالح أَصحاب الناقة ، وقيل: وما أرسلنا إلى الأَنبياءِ إلا ملائكة على صور الرجال ، ويرده أَن المقام لذكر كون الرسالة إِلى الأُمم رجالا ، وأَن أَهل الذكر لا يجيبون بذلك وقد قال الله في الجواب { فاسْأَلُوا } الخطاب لمشركى مكة إذ قالوا في إنكار رسالة سيدنا محمد A الله أَعظم أَن يكون رسوله بشرًا فهلا بعثت إلينا ملكًا ، والتقدير إِن أَبيم إِلا إنكار رسالة محمد فاسأَلوا { أَهْل الذِّكْرِ } التوراة والإِنجيل والزبور ، ولا تقدر إن شككتم أَو إن أَنكرتم ، والمراد الذين لم يسلموا لأَن من أَسلم منهم كعبد الله بن سلام ، بل من أَسلم مطلقًا لا يأْخذون بقوله كسلمان ، وقيل: المراد من أسلم لأَن الذكر القرآن ، قلنا سمى الله التوراة أَيضا ذكرًا في مواضع منها: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر } وإِنما قال A: « نحن أَهل الذكر في تفسير غير هذه الآية » ، وقيل: أَهل الذكر من علم بأَخبار الأُمم السالفة { إِنْ كُنْتُمْ لاَ تعْلَمُونَ } أَن الرسل بشر يخبروكم بأَن أَنبياءَهم بشر كموسى وعيسى وأَن الرسل من البشر كلهم ، وأَنتم تعرفون أَن لهم معرفة بكتب الله ورسوله وتصدقونهم قبل أَن تصدقوا المؤمنين لأَن بينكم مناسبة كفر بالنبى A .