{ وَمَا تَكُونُ } يا محمد وتلتحق به أُمته { فِى شَأْنٍ } فى أَمر ، من شأَنته أَى قصدته مصدر بمعنى مفعول أَى مقصود وتغلبت عليه الاسمية ، ويجوز إِبقاؤه على أَصله من المعنى المصدرى ، أَى في قصد ، أَو على ما تفرع عليه من معنى مقصود ومعنى تغلب الاسمية إِنه بمعنى أَمر مطلق عن ملاحظة قصد أَو مقصود { وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ } من الشأْن أَو من الله أَو من القرآن ، وعليه فالإِضمار له قبل ذكره تفخيم لمرتبة شهرته ، وإِذا رد الضمير للشأْن فوجهه أَن تلاوة القرآن معظم شأْنه A ، وأَن القراءَة تكون لشأْن ومن للتعليل في هذا الوجه ، وإِذا رد إِلى القرآن فتبعيضية أَو إِلأى الله فابتدائية . { مِنْ قُرْآنٍ } منزل عليك ومن صلة في مفعول تتلو وبعض القرآن قرآن { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } يا محمد وأُمته والمضارع للاستمرار الماضى ، حكاية له كأَنه حاضر { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } رقباءَ مطلعين ، خص الخطاب به A أَولا لأَن التلاوة هو الأَصل فيها ، ولأَنها منه أَولا ، وإِنما يقرأُ غيره تبليغا وتبعا له ، ولأَن رئِيس القوم إِذا خوطب دخل قومه كقوله تعالى: { يا أَيها النبى إِذا طلقتم } كما أَن الأَمير يخاطب رئيس الكفار ويجرى حكم قومه على جوابه وكأَنه أَجاب عن قومه ، وكذا خطاب الأَمير لهم يجرى قوم عليه ، ولو جعلنا الخطاب في تكون وتتلو للعموم البدلى لهم كما عم تعملون وعليكم إِلا أَنه يلزم أَن يكون قوله ولا تعملون إِلخ كالتكرير له ، والمراد ما يكون ذلك كله في حال من الأَحوال إِلا حال شهادتنا ، وقدم عليكم لطريق الانتقام بما يكون انتقاما منهم مراعاة لجانب الكفار ، ولو كان الكلام على العموم ، ويجوز أَن يكون الخطاب في تعملون وعليكم للكفار فالمراد ظاهر { إِذْ } متعلق بشهود أَو بكنا { تُفِيضُونَ فِيهِ } فيما ذكر من الكون في شأْن والتلاوة والعمل والإِفاضة الدخول في العمل { وَمَا يَعْزُبُ } ما يغيب ، وعزب غاب وخفى ولو كان قريبا ، ويفسر بالبعد لأَنه ملزم للخفاءِ والغيبة وسبب له { عَن رَّبِّكَ } عن علمه على حذف مضاف أَو عن ربك كناية عن علمه تعالى { مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ } من صلة في الفاعل ومثقال وزن وهو فاعل وإِنما يعبر عن الوزن بالمثاقل لاعتبار الثقل ، فالمراد ما يوازن النملة الصغيرة جدا ويساويها في الثقل الذى هو ضعيف لا يعلمه إِلا الله ، أَو من اجتهد أَو الذرة الهباءَة والله مختص بعلم ثقلها ولا سيما إِن قلنا هى جزءٌ من أَلف جزءٍ من النملة أَو الخردلة ومثقال الشىءِ ميزانه ، وذلك مثل في القلة لا حصر ، ولذلك قال { وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ } كما ذكر الأَرض والسماءَ مثلا لأَن العامة لا تعرف سواهما إِلا بتعليم ، والمراد الأَرض والسماءُ والعرش والكرسى وكل موجود مخلوق لا خصوص الأَرض والسماءِ والله جل وعلا لا يوصف بكل ولا بجزءٍ ، والمثقال في الجاهلية والإِسلام لا يختلف هو أَربعة وعشرون قيراطا والدرهم ستة دوانق وعشرة دوانق سبعة مثاقيل ، وقدم الأَرض لأَنها أَقرب إِلى المخاطبين وهم بها أَعرف منهم بالسماءِ ولأَن الكلام في حال أَهلها والبرهان عليهم ، وفى الأَرض حال من ذرة لتقدم النفى والنعت أَولى ، ولا يجوز تعليقه بيعزب لأَنه يؤدى إِلى أَن الله تعالى في السماءِ والأَرض حلولا ، وقوله ولا أَصغر من ذلك إِلخ كلام مستأْنف مقرر وما قبله ، ولا عاملة عمل إِن وما اسمها معرب لشبهه بالمضاف ، أَو عاملة عمل ليس لا عاطفة على ذرة لأَنه يبقى قوله { إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } متعطل إِلا أَن يجعل استثناءً منقطعا أَى لكن كل شىءٍ في كتاب مبين ، إِلا أَن الحمل على الاستثناءِ المنقطع خلاف الأَصل لا يحمل عليه الكلام إِلا لداع صحيح راجح أَو متعين ، فالوقف على السماءِ ، ولو جعل لا عاطفة على مثقال وجعل الاستثناءُ متصلا لكان المعنى لا يغيب عن ربك شىءٌ في حال من الأَحوال إِلا حال كونه في كتاب مبين .