{ قَالَ الْمَلأُ } الأَشراف سموا لأنهم يملأون صدور المحافل بأَجسادهم ، أَعنى صدور مجالس الجماعات بجلالتهم وهيبتهم وأَتباعهم والعيون بجمالهم وأ [ هتهم ، أَو لملاءَمتهم بالمعروف وجودة الرأى ، ولم يقل الذين كفروا من قومه لأَنه لم يؤمن أَحد منهم بل آمن من آمن من قومه لا من ملئهم في غير أَول دعائه إِياهم ، بخلاف ما في هود فمنهم من آمن فقال فيها ذلك واقتصر هنا على قوله { مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لنَرَاكَ } نعلمك { فِى ضَلاَلٍ مُبِينٍ } بترك دين آبائك وقومك ، بالغوا بجعله مظروفًا للضلال وإِن واللام ، ويقال والجملة الاسمية ، ولذلك قابلهم بقوله في قوله تعالى:
{ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلاَلَةٌ } باستغراق الضلال بالنفى للنكرة أَو بنفى الواحدة فضلا عن أَن يكون الضلال ظرفًا له محيطًا به ، والضلال عدم الاهتداء ، وأَصله الغيبة ، ادعوا أَنه غاب عن الحق فنفى ما ادعوه ، ولو قال ليس بي ضلال لاحتمل نفى ضلالتين أَو أَكثر ونفى الضلال مطلقًا ، لأَنه مصدر يصلح للقليل والكثير وأَما ضلالة ففى تاء الواحدة ولا يقال المراد نفى الماهية فيكون أَبلغ لأَنا نقول الماهية ليست بمعنى الوحدة أَو القلة ، بل تصدق بالقليل والكثير ، وناداهم يا قوم استجلابا إِلى الحق ، وقابل الضلالة بمرادف ضدها وهو الهدى في قوله { وَلَكِنِّى رَسُول مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ } لأَنه من كان رسولا من الله فهو على الهدى في الغاية ، لأَن صيغة الاستدراك قد تكون للتأكيد بنحو لست بنائم لكنى مستيقظ ، أَو لما أَرادوا بضلاله أَنه ترك دين آبائه وأَنه ادعى الرسالة ونفى الضلالة توهم أَنه ترك دين آبائهم ، أَنه ترك دعوى الرسالة فأَتبعها بالاستدراك ، أَو المعنى ليس إِلى شئ من الضلال كائنا ما كان بل في غاية من الهدى ، أَم الاستدراك هنا بمعنى مطلق التدارك على معنى بل . كقولك ما أَنا مريض لكن صحيح جدًا ، أَو لما نفى الضلالة يبقى أَن يقال لعل الرسالة أَيضًا غير ثابتة فأَثبتها بلكن ، أَو أَتى بلكن على طريق تأكيد المدح بما يشبه الذم أَى لا ضلالة بي إِلا الرسالة إِن كانت ضلالة { أُبَلِّغُكُمْ } مستأْنف في التفات لبيان الرسالة المذكورة في قوله رسول أَو نعت لرسول مراعى فيه المعنى ، لأَن الرسول هو القائل أبلغكم التفاتا من غيبة الاسم الظاهر ، وهو رسول إِلى التكلم فالرابط هو المستتر ، ولو راعى الظاهر لقال يبلغكم بالياء ، ويجوز أَن يكون أبلغ حبرًا ثانيا للكن فلا التفات كأَنه قيل لكنى رسول من رب العالمين ولكنى أبلغكم { رِسَالاَتِ رَبِّى } جمع باعتبار أَفراد الوحى كلما جاءَه ، وباعتبار تعدد أَنواعه كأَمر ونهى ووعظ وأَحكام وإِنذار وتبشير على الإِيمان إِن وقع وقصة ومسائل وصحف إِدريس وهى ثلاثون وصحف شيث وهى خمسون ، فهو يبلغهم ما أرسل به وما أرسل به غيره { وَأَنْصَحٌ لَكُمْ } أرغبكم من عندي في الطاعة وأحذركم عن المعصية بذكر عواقب ذلك وبتمييز الأَحسن من الحسن والأَصلح من الصالح ، وبترغيبكم في القبول عن الله ، فحقيقة النصح تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه ، ويقال أَيضًا نصحتك ، ولكن في اللام دلالة على إِمحاض النصح ، قال الفراء: وهو الغالب { وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ } من للابتداء متعلق بأَعلم َولى من تعليقه بمحذوف أَى أَعلم بالوحى من الله { مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من الأُمور الآتية ، ومن شئونه وبطشه الشديد ، ولم يعلموا بقوم حل بهم العذاب قبلهم لعدم ذلك أَو لم يسمعوا بذلك وقد وقع قبلهم .