{ إِتَّخَذُوا } أَى اليهود والنصارى { أَحْبَارَهُمْ } علماءهم ، اتخذ اليهود أَحبارهم والنصارى أَحبارهم والمفرد حبر - بفتح الحاء وكسرها وإِسكان الباء وكسر الحاء - أنسب بالجمع ، والفتح جائز في مفرده فيما قيل . ولعلهم استغنوا بجمع المكسور ، وإِلا فقياس المفتوح أَحبر - بضم الباء وإِسكان الحاء وفتح الهمزة - العالم حبر لأَنه يزين العلم ببيانه ، أَو لأَنه يفرح الخلق ، يقال: حَبَرهُ - بفتح الباء - يحبُره - بضمها ، بمعنى حسنه أَو فرحه ، ولا يسمى العالم في العرب حبرا إِن كان من أَهل الكتاب مسلمًا أَو مشركًا من نسل هارون . ومتى سمى العالم من غيرهم حبرًا فتوسع . وأَصل المادة العموم ، والمراد في الآية بالأَحبار علماء اليهود ، وقيل: العالم حبر ، ولو من هذه الأُمة . كما يسمون ابن عباس الحبر وحبر الأُمة { وَرُهْبَانَهُمْ } عبادهم وهو من الرهبة بمعنى الخوف وهو مختص بعباد النصارى في العرف . كانوا لا يتزوجون ولا يأْكلون اللذات ، ويعتزلون ويشددون حتى أَن منهم من يخصى نفسه ، ويضع السلسلة في عنقه . فقال A لذلك: « لا رهبانية في الإِسلام » ، وقال: « كلوا وتزوجوا وانفعوا الخلق وجاهدوا » جمعت اليهود والنصارى في واو اتخذوا ، ورجعت أَحبارهم لليهود . ورهبانهم للنصارى على اللف والنشر المرتب باعتبار ذكر اليهود أَولا والنصارى ثانيًا قبل ذلك . وأَما باعتبار الواو فلا ترتيب ولا لف . والهاء في أَحبارهم وفى رهبانهم للنصارى ، ويجوز كون الهاءَين للجموع { أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ } غير الله استلحاقًا به ، فلم ينفعهم إِيمانهم به إِذ أَشركوا به غيره . أَو قوله من دون الله نفى له لأَن من جعل غيره إِلهًا فليس بمؤمن به ، لأَن الإِيمان به إِفراده جل وعز { والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ } أَضافه إِلى أُمه تنبيهًا على شدة حمقهم في قولهم أَنه إِله أَو ابن إِله عطف على رهبانهم أَو على أَحبارهم ، والعطف على رهبانهم ولو كان ثانيًا ، والواو لا ترتب لأَن الرهبان والمسيح لملة واحدة . . أَو يقدر: والمسيح ابن مريم إِلهًا أَو ربًّا عطفًا على معمولى عامل ، وكان عدى بن حاتم رضى الله عنه نصرانيا ، جاءَت به أخته من الشام هاربًا إِليها . قال: أَتيت رسول الله A وفى عنقى صليب من ذهب وهو يقرأ براءَة . فقال: « يا عدى اطرح هذا الوثن من عنقك » فطرحته ، ثم انتهى إِلى قوله تعالى « اتخذوا أَحبارهم ورهبانهم أَربابًا من دون الله والمسيح بن مريم » فقال: إِنا لسنا نعبدهم ، فقال A: « أَليسوا يحرمون ما أَحل الله فتحرمونه ، ويحلون ما حرم الله فتحلونه . فقلت: بلى . قال: ذلك عبادتهم » حاجة النبى A بما لا محيد عنه قطعًا للحجة بمرة ، وإِفادة بأَن تحليل ما حرم وتحريم ما أَحل شرك به ، ومن بالغ في اتباع غيره يقال: عبده ، وجعله إِلهه ، استعارة لشبه ذلك الاتباع البليغ بالعبادة ، وأَطلق العبادة وهى مخصوصة باتباع مخصوص على مطلق الاتباع الشديد على التجوز الإِرسالى ، وإلا فقد صح في أَخبار السير وغيرها أَنهم يسجدون لهم ، وقد مر أَن نسطور وأَتباعه قالوا: عيسى إِله ، ومريم إِله ، والله إِله ، فلعيسى ومريم لاهوتية وناسوتية ، وإِن ملكان وأَتباعه قالوا أَن عيسى هو الله ، ومر أَن منهم - لعنهم الله تعالى - من قال عيسى ابن الله وليس بشرًا ، والحاصل أَن للنصارى - لعنهم الله - إِلهًا يأْكل ويشرب ويخرأَ أَو يبول ، تعالى الله عن صفات الخلق ، وإٍسقاط أَلف ابن بين علمين ثانيهما تابع لأَولهما قاعدة في غير القرآن ، فلا يقال: انظر ، لم ثبت الأَلف في ابن هنا مع اَنه صفة بين علمين ، والمسيح لقب وهو علم { وَمَا أُمِرُوا } فى كتب الله والواو للحال { إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا وَاحِدًا } أَى ما أمروا بتوحيد الله إِلا ليعبدوا إِلها واحدًا .