{ وجَعَلنا مِن بيْن أيديهم } قدامهم { سدا } عظيما مانعًا من قبول دين الله باختيارهم { ومِنْ خْلْفِهِم سدًا } كذلك ، وذكرهما كناية عن جميع الجهات ، وأيضا كفى عن ذكرهن قوله تعالى: { فأغشيناهم } غطيناهم ، والفاء لمجرد الترتيب ، إلا أنه يحتمل أن المراد أغشيناهم بالسدين ، فتكون للتقريع { فهُم } بسبب ذلك { لا يُبْصرُون } الحق بسوء اختيارهم ، فان تصميمهم على الكفر كالأغلال ، واستكبارهم عن قبول الحق كالإقماح ، إذ فيه إذ فيه رفع الرأس ، وعدم النظر في أحوال من قبلهم كسد من خلفهم ، وفيما يستقبل كسد من قدامهم ، وفى جمع الأيدى الى الأعناق تلويح الى منع التوفيق حين استكبروا ، لأن المتضع يضع عنقه ولا يرفعه ، وفى الاقماح تلويح الى أنهم لم ينظروا في شأن أنفسهم ، فان المقمح لا ينظر بدنه ، وفى السد تلويح بأنهم لا ينظرون الى آيات الآفاق الدالة على الواحدانية ، وفى أنا جعلنا إلخ تشبيه لتصميمهم على الكفر بربط الأيدى الى الأعناق ، وجعل الأغلال في الأعناق في النار مستقبل ، والماضى لتحقق الوقوع .
أو المعنى قضينا بجعل الأغلال في أعناقهم ، ومثل قوله { لا يبصرون } قوله D: { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا } وقوله تعالى: { قال رب لم حشرتنى أعمى } وفى النار والمواقف مواطن ، فتارة يبصرون ليعاينوا عذابهم وقبحهم وإخوانهم ، قوله D: { فبصرك اليوم حديد } إن لم يفسر بالإدراك ، وليس المقام لذكر الإنفاق حتى يفسر جعل الأغلال في الأعناق كناية عن عدم الإنفاق كقوله تعالى: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } ولا بد من تفسير الآيات بما ذكر من وجوه الدين والآخرة مع ما طابقها من وقائع الحال في الدنيا ، مثل ما روى أنه A يجهر بالقراءة ، فقام قوم من قريش ليأخذوه ، فجمعت أيديهم الى أعناقهم ولا يبصرون ، فأنشدوه الله تعالى ، وما في قريش بطن إلا وله A قرابة فيهم ، فدعا الله فشفاهم من ذلك ، وإن أبا جهل لعنه الله ، أخذ حجرا ليضربه في الصلاة فألزق في يده حين دنا ، وانثنت يده الى عنقه ، فرجع وما فك إلا بجهد ، فأخذه مخزومى آخر ، فلما دنا عمى ، فنادى أصحابه فرجع بأبصره ، وقد سمع صوت رسول الله A وما رآه وقال: رأيت فحلا يخطر بذنبه لو دنوت لأكلنى ، فأخذه مخزومى آخر فرجع ينكص حتى وقع على قفاه مغشيا عليه ، فأخبرهم أنه رأى فحلا أعظم ما يكون يخطر بذنبه حين دنوب ، لو لم أرجع لأكلنى فنزلت الآيات لذلك كله .