{ لا يسْمعُون فيها لغْوًا } أى لا لغو فيها بسبب ولا بغيره ، إذ لو كان لسمعوه كنى عن نفى الملزوم بنفى لازمه ، أو عن نفى السبب بنفى المسبب ، واللغو كلام لا فائدة فيه فهو كلغو العصافير بالنظر الى سماعنا له ، وإلا ففى أصواتها كلام بعض لبعض وتسبيح ، فإذا نفى عن أهل الجنة كان ينبغى اجتنابه في الدنيا .
{ إلا سلامًا } استثناء متصل بمعنى إن كان فيها لغو فبالسلام والسلام لا يكون لغوًا فهو نفى له بطريق البرهان في تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... يهن فلول من قراع الكتائب
أو بمعنى أن السلام فيها لغو باعتبار أنه دعاء بالسلامة من الآفات ، مع أنه لا آفة فيها ، ولو كان القصد به التحاب ، وأنه حق مقصود أو منقطع ، أى لكن يسمعون سلام الملائكة عليهم ، أو سلام بعض على بعض ، أو كلامًا ذا سلامة من العيب ، أو سالما ، وقيل سلام الله يخلقه حيث شاء ، أو على لسان ملك .
{ ولهم رزْقُهم فيها بُكرةً وعشيًا } أى في كل وقت شاءوا ، فعبر بأطراف اليوم لا الوقتين ، ومن ذلك في غير الزمان قولنا: اللهم ارحم المهاجرين والأنصار ، نريد الصحابة مطلقًا ، والمراد كثرة الأرزاق بلا حساب ، وكانت للعرب أكلة واحدة ، ومن أصاب أكلتين سمى فلانًا الناعم ، فنزل اللفظ على رسم ما يرونه خصب عيش ، والمعنى أكثر ولا بكرة وعشيًا فيها ، وجاء الأثر أنه يبين لهم مقدار الليل بإرخاء الستر وإغلاق الباب والنهار برفع الستر ، وفتح الباب في ملك كل واحد ، لكن الرزق يعم البكرة والعشية وغيرهما ، أو في الوقتين لا بد ، وفى غيرهما زيادة بحسب ما شاءوا .
قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة ليل فقال: « ما هيجك على هذا؟ » قال قوله تعالى: { ولهم رزقهم } الآية ، فقال A: « لا ليل بل ضوء الغدو والعشى يتواردان وتأتيهم طرف الهنايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة عليهم السلام » .