{ وَوَرث سليمان دَاوُد } أباه وراثة علم لا مال ، لقوله A: « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » قال أبو الدرداء: سمعت رسول الله A يقول: « إن العلماء ورثة الأنبياء » وان الأنبياء لم يورثوا دينا ولا درهما ، ولكن ورثوا العلم ، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر رواه أبو داود والترمذى ، ومثله عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ، ولنا أن نقول: ورث سليمان العلم والنبوة والملك ، ولا ينافيه الحديث المذكور ، لأ فيه إرث للمال ، لا نفى إرث بالنبوة والملك ، واطلاق الإرث على ذلك مجاز استعارى لجامع القيام مقام من كان لذلك قبل ، ووراثة غير المال في مواضع من القرآن: { ثم أورثنا الكتاب } { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب } وأيضًا لداود تسعة عشر ولدًا ، فلو كان إرث مال لم يذكر سليمان وحده ، إلا أنه لا مانع من ذكره وحده ، لأنه خليفته .
وقد جاز أن يقال: ورث فلان أباه ، ولا يلزم أنه ورثه ، وحده إلا أنه لو كان ذلك لترك الايهام الى قوله: وقال سليمان بعد موت أبيه: يا أيها الناس ، وأيضًا لا مدح في إرث المال ، والمقام للمدح بالدين ، وهو حين موت داود ابن اثنتى عشرة أو ثلاث عشرة سنة ، ويقال أوصى له بالملك ، ويقال ولاه في حياته ، وربما تقوى بذلك أن الملك غير داخل في الارث ، لأنه بالايصاء أو في الحياة ، إلا ان ما بالايصاء يصح عليه الارث .
{ وقال } شكرًا للنعمة ، وإعلامًا وبرهانا للاعجاز ، فلا بد من قوله ليصدقوه إذا قال عن الطير: { يا أيها الناس عُلِّمنا } عُلِّمت ، وجمع لأنه أعظم قومه وماله يعود نفعه إليهم بالانقياد اليه ، لا عُمَّمت أنا وأبى كما قيل { مَنْطق الطَّيْر } علمنا مضمون نطقها ، وتسمية أصواتها نطقًا استعارة أصلية ، لأن المصدر الميمى كسائر المصادر غير مشتق ، أو سماها أصواتًا تسمية للمطلق بالمقيد ، فذلك مجاز مرسل أصلى أو شبه الصوت بالانسان ، ورمز الى ذلك بلازم الانسان ، وهو النطلق ، فالنطق استعارة تخييلية ، صاح ورشان فقال: إنه قال: لدوا للموت وابنوا للخراب ، وصاحت فاختة فقال: فقالت: ليت هذا الخلق لم يخلقوا ، تعنى المكلفين من الجن والانس ، وطاوس فقال يقول: كما تدين تدان ، وهدهد فقال: يقول استغفروا الله مذنبين .
وروى أنه يقول: من لا يرحم لا يرحم ، وقائل: استغفروا الله يا مذنبين ، الصرد وطيطون فقال يقول: كل حى يموت ، وكل جديد بال ، وخطاف فقال يقول: قدموا خيرًا تجدوه ، وقيل يقول الخطاف: الحمد لله رب العالمين ، ويمد كالقارىء ، ورخمه فقال تقول: سبحان ربى الأعلى ملء سمائه وأرضه ، وروى هذا لحمامة وقمرى فقال يقول: سبحان ربى الأعلى ، وقيل سبحان ربى الدائم ، والغراب يدعو العشار ، وقال تقول الحدأة: كل شىء هالك إلا الله تعالى والقطاة: من سكت سلم ، والببغاء: ويل لمن الدنيا همه ، والديك: اذكروا الله يا غافلين ، والنسر يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت ، والعقاب: في البعد عن الناس أنس ، والقنبرة: اللهن العن مبغض محمد وآل محمد ، والزرزور: اللهم أسألك رزق يوم بيوم يا رزاق ، والدراج: الرحمن على العرش استوى .