{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ } فرغتم منها ، فالقضاء يستعمل بمعنى التأدية في الوقت كما يستعمل فيها بعد الوقت ، كقوله تعالى: فإذا قضيتم مناسككم ، والمراد الصلاة الواجبة ، وذكر صلاة النفر وسائر الذكر لله D على كل حال بقوله { فَاذْكُرُو اللهَ قِيَامًا } جمع قائم { وَقُعُودًا } ولو قدرتم على القيام جمع قاعد { وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } أى وثابتين ، أو مضجعين على جنوبكم؟ قدرتم على القعود أو القيام أو لم تقدروا ، لخوف أو جراح أو مرض ، والمراد الجنب الأيمن من الاستقبال في الصلاة بالوجه والجسد ، وإن لم يمكن إلا على الأيسر جاز ، وكل ما لم يمكن إلا هو جاز ولو لم جز في الاختيار ، وينوى الاستقبال ، وأما الفرض فلا يجوز في قعود أو اضطجاع إلا لضرورة خوف أو مرض أو جرح أو نحو ذلك من الأعذار ، ويصليها ولا بد كما أمكنهخ ، ولا يؤخرها عن الوقت عندنا وعند الشافعى ، ويومىئ لما فيه إيماء وهو الركوع والسجود ، وأما التحيات فلا إيماء لها ، ولو أومأ لها بانحناء لفسدت صورة قعودها ، فإنها يقعد لها على استقامة كما يقعد الصحيح ، فيلغز بأن لنا ركوعا أخفض من التحيات ، وهو ركوع المصلى بإيماء:
وَإذَا لَمْ تَرَ الْهِلاِّلَ فَسَلِّمْ ... لأُِنَاسٍ رَأَوْهُ بِالأَبْصَار
ثم قد رجعت في الخطبة المؤلفة بعد هذا عما هنا ، ويجوز أن يكون المعنى ، فإذا أردتم قضاء الصلاة في أدائها فاذكروا الله ، أى صلوا قائمين صلاة المسايفة إن لم تجدوا الصلاة طائفتين مع الإمام ، واحدة بعد الأخرى ، أو قاعدين رامين بالسهام أو مضطجعين لعدم القدرة بالجراح ، ولا قضا بعد ذلك ولا إعادة في الوقت ولو زال العذر ، وقال الشافعى بوجوب القضاء بعد الوقت الإعادة فيه إذا زال العذر لقوله تعالى { فَإِذَأ اطْمَأَنَنتُمْ فَأَقِيُموا الصَّلاَةَ } اقضوها بعد الوقت وأعيدوها في الوقت إن زال العذر ، والمذهب أنه لا إعاد ولا قضاء ، ونسبه بعض المحققين للشافعى ، وإن صلوها لمظنه خوف كسواد رأوه فتبين في الوقت عدمه فليعيدوها ، وأن المعنى إذا زال العذر فصلوا الصلوات الآيتة بع تامات بشروطها وشطورها ، وزعم أبو حنيفة أن المحارب لا يصلى حتى يطمئن ، وأن معنى الآية ذلك ، وليس كذلك ، بل يصلى كما أمكنه ، ولو بتكييفها في قلبه من حيث أعمالها ، وأما أقوالها فلا بد منها ما امكن ، والحجة قوله A: « إذا أمرتكم بشىء فائتوا منه ما استطعتم » ، ولأنه A أمر رجلا بقتل كافر ، فذهب إلى قتله وهو يصلى في ذهابه إليه بذكر وإيماء خوف أن يموت ولم يصل ، فأخبر رسول الله A ، فلم ينهه ، قال ابن عباس رضى الله عنهما عقب تفسير الآية ، لم يعذر الله تعالى أحدًا في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله ، يعنى من ترك ذكره تعالى عده الله مقصرًا { إنَّ الصَّلاَةَ كانتَ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا } فرضًا ، لما جرى في العرف أن الشىء يكتب لأنه لا بد عَلَى ولو كان قد لا يجب استعمل الكتاب في معنى الفرض في مكتوبه أو ذات كَتْب { مَّوْقُوتًا } أى محدودًا لا تترك ولا تقدم ولا تؤخر ، وأنه يؤتى بها كيف ما أمكن ولو في طعان أو مسايفة ، والمراد محدودة بأوقاتها وشروطها وعدد ركعاتها في الحضر والسفر والخوف ، لا يزاد فيها حال السفر ، ولا ينقص في الحصر والسفر ، وتقدم أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد ، موعدكم بدر من قال إن شئت يا محمد ، فقال A: إن شاء الله ، فخرج A من قابل وقد وهنوا لما أصابهم في أحد ولم يخرج هو وفى ذلك نزل قوله تعالى:
{ وَلاَ تَهِنُوا } تضعفوا { فِى ابْتِغَآءِ } طلب { القَوْمِ } الكفار بالقتل { إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ } إلخ تشجيع للصحابة رضى الله عنهم وتعليل لقوله تعالى: ولا تهنوا ، لأنه أصابهم مثل ما أصابكم ، فصبروا ، فكيف لا تصبرون أنتم ، مع أن لكم لا لهم عاقبة الخير في الدنيا والأخرى ، وأنتم على الهدى وهم على الباطل ، والآية في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبى سفيان يوم أحد للقتال ، ألا ترى قوله في ابتغاء القوم ، إذ ثمل عليهم القتال ثانيًا ، أويوم أحد في الذهاب خلف أبى سفيان وعسكره ليقاتلوه في حمراء الأسد { فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كمآ تَأْلَمُونَ } فلا يحسن لكم أن يرد التألم عنه وهم لا يردهم { وَتَرْجُونَ مِنّ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ } من الجنة والنصر على القتال فيجب أن تكونوا اصبر منهم عليه ، وأرغب فيه ، وعبارة بعض أنها نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبى سفان يوم أحد في الذهاب خلف أبى سفيان وعسكره إلى حمراء الأسد وهو مروى عن عكرمة { وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا } بأحوالكم وضمائركم { حَكِيمًا } فيما يأمر به وما ينهى عنه ، وسرق طعمة بن أبيرق ، بصيغة التضمير الأنصارى ، من بنى ظفر درعا وحده فىحراب فيه دقيق ، من جاره قتادة ابن النعمان ، وخبأها عند زيد بن السمين اليهودى وديعة عنده ، ووجدوا أثرًا لدقيق متناثرًا ، فقال أصحابه فتسع أثر الدقيق ، فوجدوه في دار اليهودى ، فقال: وضعه عندى طعمة ، وشهد له قومه فأنكر طعمة ، وحجلف طعمة أنى ما وضعته عنده وما سرقته ، وعزم قومه أن يشهدوا له ، أن اليهودى هو السارق وفعلوا ، وسألوه A أن يجادل عن طعمة ، فهم A بقطعه فأعلمه الله أن السارق طعمة ، فهم بقطعه فارتد ، فهرب إلى مكة ، ونقب فيها حائطًا ليسرق فوقع عليه فمات ، وقيل ركب سفينة إلى جده فسرق فيها كيسًا فيه دنانير فألقوه في البحر ، وقيل لحق بقريش فنقب غرفة للحجاج فأخرجوه ، فلحق بركب من قضاعة فقل إنى ابن سبيل ، فحملوه وسرق منهم وهرب فأدركوه ، فقتلوه رجما ، وقيل نزل على الحجاج المذكور وهو الحجاج بن علاط ، فنقب بيته ليسرق فقطن به ، فقال صيفة وابن عمى تريد أن تسرق منى فأخرجه ، ومات بحرة بنى سالم وفى جميع ذلك مات كافرًا مرتدا وفيه نزل قوله تعالى:
{ إنَّآ أَنزَلْنآ إلَيْكَ الكِتَابَ لِتَحكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللهُ } بما عرفك الله بالوحى { وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنينَ } لأجل الخائنين ونفعهم ، أو عن الخائنين وه مبنو أبيرق أو طعمة ومن معه ، أو للخائينين مطلقًا ، والعطف عطف إنشاء على إخبار ، أو على محذوف ، أى احكم بالحق ولا تكن ، أويقدر قول ، أى قلنا إنا أنزلنا ، فإنه لا إشكال في قولنا ولا تكن الخ { خَصِيمًا } على خصمهم ، أو لا تكن خصيما ثابتًا لهم على خصمهم ، زجر له A عما ظهر له ومال إليه من تبرئه طعمة والاقتصار على تحليفه والحكم على اليهودى لوجود الدرع عنده ، وبطلان شهادة المشركين له على المسلم ، وذلك كله حق بحسب ما ظهر له A ، وهو الذى كلف الله به العباد ، إلا أن الله سبحانه بين له A أن اليهودى برىء ، وأن طعمة هو السارق ، ونهاه أن يحكم على اليهودى ، فجرى على هذا الغيب الذى أخبره به ، لو لم يخبره الله به لجرى على ذلك الذى ظهر له من الحكم على اليهودى وكان محقا ، له أجران ، لأنه مصيب فيما كلف به ، كما في سائر حكمه بحسب ما ظهر له ، وقوله إنى آخذ جذوة من نار لمن حكت له بغير حقه ، لظاهر الأمر ، وهو عالم بأن الحق ليس له .