{ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى الأرْضِ } من الحيوان والنبات ، والشجر والمعادن ، والأنهار والبحور ، فإنها على الأرض ، وما يخرج منها من اللؤلؤ والمرجان والسمك ، وكالسفن ، وكلعلماء والصالحين الأمراء والرجال والنساء وأدخل بعض في ذلك نحو الحية والعقرب ، فإنه زينة من حيث دلالتها على الله تعالى .
{ زِينَةً لَهَا } ولأهلها ، أو يقدر مضاف ، أى زينة لأهلها .
{ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاَ } بالتوحيد والعمل الصالح ، والتقوى والشكر ، والاستنفاع بذلك ، قصد إلى إقامة الدين ، وينفع خلق الله به صدقة ، وأداء لحقه ، أو بالزهد فيه ، والاقتصار على ما لا بد منه ، وبأخذه بوجه حلال وبعدم الاغترار به ، وبعدم الإعجاب به ، وبصرفه في الطاعة لا في المعصية ، أو التضييع ، وفيما لا يعنى ، وقولك الكافرون ونحوهم لم يشكروا ذلك الإنعام ، وأخذوه بوجه ، وصرفوه في حرام ، فويل لهم ، وسترى ما يحل بهم ، والجملة استفهامية مفعول لنبلو معلقًا عنها لتضمنه العلم ، أو أى بمعنى الذى بدل من الهاء قبله ، والتقدير: أيهم هو أحسن عملا ، وهى مبنية .
وسئل A عن الأحسن عملا فقال: « أحسنكم عقلا ، وأورع عن محارم الله تعالى وأسرعكم في طاعته سبحانه » وعن الحسن: أحسنهم عملا أشدهم للدنيا تركا ، وقال غيره: أحسنهم من زهد وقنع من الدنيا بزاد المسافر ، ودونه حسنا هو من استكثر من حلالها ، وصرفه في وجهه ، ومن دون ذلك قبيح من احتطب حلالها وحرامها ، وأنفعه في شهواته ، وهذه تسلية لرسول الله A وتعليل للنهى ، كأنه قيل لا تحزن فإنى منتقم منهم ، ولا بد من عقابهم بعد الفناء المذكور بقوله:
{ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا } تشبيه بليغ كقولك: جعل الله زيدًا أسدًا ، فصعيدًا مفعول لا منصوب على نزع الجار ، والصعيد التراب ، ووجه الشبه أنه بصيّره الله كالتراب ، لا يرغب الناس فيه ، وذلك يوم القيامة ، يوم لا يرغب الناس في المعادن ولا في غيرها ، إلا في العمل الصالح ، ولا يجدونه إلا ما في الدنيا ، وهو كقوله تعالى: { كل من عليها فان } وقوله: { فيذرها قاعًا صفصفا لا ترى فيها } إلخ ، وذلك تزهيد في الدنيا ، والجرز الأرض التى قطع نباتها ، والجرز بإسكان الراء: القطع ، والمراد مطلق الإذهاب وإزالة النفع بذلك كله ، ولا يختص بالنبات ، ويقال: الجرز الموضع الذى لا نبات فيه ولا ماء ، والصعيد المستوى من الأرض ، ويقال: وجه الأرض مطلقا ، وهو نعت صعيدًا أو مفعول ثان بعد مفعول ثان .