{ ادْعُ } يا محمد الناس كلهم { إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ } دينه ، ولا يهمك مخالفة اليهود والنصارى وقريش ، وقد نسخ السبت بالأحد ، ونسخ الأحد بالجمعة ، ولا سبت ولا أحد بعد بعثتك ، بل الجمعة على الكل والقرآن لا التوراة ولا الإنجيل إلا ما لم يخالف القرآن .
{ بِالْحِكْمَةِ } القرآن أو الدلائل القطعية ، ومنه القرآن وهو أصلها ، فإنه قول موضح للحق كما قيل: الحكمة الدليل الموضح المزيل للشبهة ، كما قال أبو حيان: الحكمة الكلام الصواب القريب ، الواقع في النفس أجمل موقع وهو حق لا إشكال فيه ، وما قيل: إن الحكمة إتقان العمل ، وإتقان العمل غير معروف ، بل هى إتقان العلم وضد السفه ، ووضع الأشياء في مواضعها ، وقيل: الحكمة هنا النبوة والرسالة .
{ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } الخطاب المقنع ولو بما هو ظنى عند المخاطب يتوصل به إلى القطعى ، أو هى الترغيب والترهيب على وجه يتبيَّن به أنك تريد نفعهم ، والنصح لهم ، أو الرفق بترقيق القول ، ويقال هنا: ثلاثة الكاملون علما وعقلا وبصيرة ، يدعوهم بالحكمة وهى: الحجج القطعية يدركونها ، وينفعون الناس بها ، وينتفعون ، وأصحاب النظر السليم ، وهم الغالب ، وهم دون هؤلاء يدعوهم بالموعظة الحسنة .
القسم الثالث أصحاب جدال وعناد ، وفيهم قوله تعالى: { وَجَادِلْهُمْ بِالّتِى } بالمجادلة التى ، أو بالطريق التى { هِىَ أَحْسَنُ } ، وهى ما فوق الموعظة في الشدة ، ودون الحجج التى لا يدركونها ، قال رسول الله A: « أُمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم » ومن هذا قول العلماء: كلم الإنسان على قدر عقله ، لتسلم منه ، ويسلم منك ، فيجادل المعاندين في رفق بمقدمات تسهل لهم ، ويقبح عندهم إنكارها ، وأحسن باق على التفصيل ، ويجوز خروجه بمعنى جادلهم بما هو حسن ، ولا تقابلهم بمثل ما يفعلون من الاحتيالات الفاسدة القبيحة ، فإما أن يؤمنوا ، وإما أن لا يزيد شرهم .
{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } المراد الحصر في الموضعين ، فإن علم الخلق كلهم دون علمه ، وكل ما علمت يا محمد من أحوال قومك ، فإن الله أعلم به منك ، فلا تقلق وما عليك إلا ما يطابق علمك منهم ، ويجوز الخروج عن التفضيل ، أى ربك عالم بهم ، وهو مجازيهم ، وهو مولاك ومولى لهم في الخير ، ولا بد من الحصر ، فإنه تعالى عالم لا غير عالم ، واسم الرب لمزيد اللطف به A تذكير الإحسان ، فكما أحسن الله إليك فيما مضى يحسن إليك في المستقبل بالنصر والجزاء والستر .
والخطاب تلويح بعد الكفار عن مقام اللطف ، وذكر في الكفار ضل بصيغة الفعل إشارة إلى أنهم غيَّروا الفطرة ، كل مولود يولد على الفطرة ، بدَّلوها بالكفر ، وذكر في المؤمنين لفظ المهتدين ، وهو اسم للدلالة على أنهم استمروا على الفطرة ، ولو فصلها كفر لأنهم رجعوا إليها ، واستمروا ، وربما كانت فيهم ولم تفصل بالكلية حتى رجعوها ، وقوم من ضل على المهتدين ، لأن الكلام وارد فيهم ، وعليك البلاغ ، وقد بلغت وإليه هو المجازى ، ولا تلح عليهم بعد مرة إبلاغ أو مرتين ، وليس عليك الهدى ، بل الله هو الهادى ، ولما نزل القتال وقتل حمزة ، ومُثِّل به بقطع أنفه وأذنيه ، وذكره وأنثييه ، وثقب بطنه ثقبا واسعًا ، أقسم رسول الله A ليستفيد منهم سبعين ويمثل بهم ، فأنزل الله D قوله:
{ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ } إلخ وأعتق عن يمينه ، والآية دلت على أن حكم الجماعة للقاتلين حكم القاتل منهم ، لأنه قاتل بهم ، فكأنهم قاتولن ، كما قال عمر رضى الله عنه في امرأة قتلت في اليمن: لو تمالأ عليها أهل صنعاء لقتلتهم ، فجاز للنبى A أن يمثّل بقتيل من المشركين ، ولو لم يكن هو الذى قتل حمزة ومثّل به ، والقتال في المدينة ، فالآيات الثلات مدنيات ، جعلهن في سورة مكية ، وهى محكمة ، وهو الصحيح .