{ إن شَجرة الزقُّوم } أى الشجرة المسماة بالزقوم أو النابتة بمائع في جهنم ، لو قطرت منه قطرة في الدنيا لأفسدت طعامها شرابها وانتنتها ، شجرة صغيرة الأوراق ، كريهة الرائحة ذات لبن يتورم ما أصاب من الجسد { طَعَام } أصله مصدمر ، ولذلك أخبر به عن المؤنث أخبر به لأن شجرة كالزائد ، وكأنه قيل: ان الزقوم طعام الأثيم ، كما قال الشاعر:
إنارة العقل مكسوف بطوع الهوى ... أى أن العقل مكسوف ، وأولى من ذلك أن يقال: ان الجوامد لا تغير غير الاشارة والموصول تقول: بغيتى العلم ، والعلم بغيتى بلا تأويل { الأثيم } عظيم الاثم وكثيرة ، وهو المشرك ، لأن الكلام في المشركين قبل ، ولقوله بعد: { إن هذا ما كنتم به تمترون } وليس المراد بالأثيم خصوص أى جهل كما قيل عن سعيد بن جبير ، ولا خصوص الوليد كما قيل فضلا عن أن يقال ان غيرهما يؤخذ من خارج ، بل الآية نفسها تعمهما وتعم غيرهما ، ولا يقدح في العموم ما قال سعيد بن منصور ، عن أبى مالك: ان أبا جهل كان يأتى بالتمر والزبد فيقول تزقموا فهذا الزقوم الذى يعدكم به محمد A ، فنزلت: { ان شجرة الزقوم طعام الأثيم } لأن المعتبر عموم اللفظ لا خصوص سبب النزول .
وكان ابن مسعود يقرىء رجلا طعام الأثيم ، ولم يطاوعه لسانه إلا أن يقول اليتيم بدل الأثيم ، فقل له ابن مسعود ، أتستطيع أن تقول طعام الفاجر؟ قال: نعم ، قال: فقل طعام الفاجر ، رواه عوف بن عبد الله ، وبورى الحاكم عن أبى الدرداء مثله ، وابن مردويه عن أبى أنه كان يقرىء فارسيا فأبى لسانه إلا اليتم ، فمر به النبى A فقال له: « قل طعام الظلام » وعن أبى بكرة ، عنه A: « القرآن كله كاف شاف ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة » قلت أما خبر ابن مسعود وأبى الدرداء وأبى فلعل المراد قراءة معنى لا قراءة الكتاب المنزل ، كما كثر في السن الصحابة قراءة القرآنه بالتفسير للمعنى لا للتلاوة ، أو أرادوا أن يقرأ اللفظ بالبدل تفسيرا ليتدرج منه الى قراءتها بلفظ النزول اذا فهم المعنى .
ويشبه هذا ما وقع لى مرارا يقرأ التلميذ لفظا بالعربية فلا أسمعه لضعف السمع أو للكنة في لسانه ، أو لعجمة منه ، أو اخفاء فيعيده لى هو أو أحد بلغتى ، أو بلفظ عربى ، فيخطر في نفسى نفس اللفظ الذى قرأه ، وأنا حديث أبى بكرة فلعله في الصلاة مثلا أو غيرها بلا عمدم ، فيريد أنه لا فسصاد لصلاته بذلك ، ولا اثم ، بل ثواب كما يشاهد ممن لا يحفظ القرآن يقرأ غفورا رحيما بدل عليما حكيما أو نحو ذلك ، أو كانت الاباحة حين قل الكتاب والضباط ، ثم نسخ ، قال أبو عمر بن عبد البر ، والباقلانى وغيرهما ، ان فعل ذلك صحابى أو أباحه بعده A فلعله لم يصله النسخ ، واذا لم يجز ابدال كلمة عربية بكلمة عربية ، فأولى أن لا يجوز بكلمة عجمية ، وشهر عن أبى حنيفة اجازته ، وصحح عنه بعض محققى مذهبه خلاف الجواز .