{ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَانَتْ } مبتدأ وخبر عند سيبويه ، والجملة الاسمية في محل جزم ، ولو كان الخبر اسمًا ، نحو إن زيد قائم ، أو إذا زيد قائم لم يجز عنده ، وأجازه الأخفش أيضا والكوفيون ، وزادوا جواز كون امرأة فاعلا مقدما ، والجمهور عَلَى منع ذلك كله وجعل امرأة فاعلا لمحذوف دل عليه خافت ، أى وإن خافت { مِن بَعْلِهَا } زوجها { نُشُوزًا } ترفعا عن صحبتها له ، لدمامتها ، أو كبر سنها ، أو تعلق قلبه بغيرها ، أو غير ذلك فيكون يمنع حقوقها أو يؤذيها بقول أو فعل { أَوْ إعْرَاضًا } بإقلال مجالستها ومحادثتها ، فهو لا يفعل لها خيرا ولا شرا إو إعراضًا لبعض المنافع { فَلاَجُنَاحَ عَلَيْهِمَآ } أما نفى الجناح عنه فلأن نقصه من حقها ، أو إعطاءها إياه شيئا في الصلح كالرشوة ، ومحل نفى الجناح عنه ما إذا كان انقباضه عنها كالضرورى ، لا يجد بدا عنه من نفسه ، أو خاف من نفسه أن ينقص حقها بعد ، وأما نفيه عنها مع أنها لا تأخذ فلبيان أن هذا الصلح ليس محرما عَلَى المعطى والآخذ { أَن يُصْلِحَا } أبدلت التاء صادا وأدغمت أى في أن يتصالحا ، وقيل أبدلت التاء طاء والطاء صادا وأدغمت { بَيْنَهُمَا } بدون حضور مصلح أو بحضوره { صُلْحًا } أى تصالحا ، بضم اللام ، وذلك بأن تترك له ، لئلا يطلقها ، بعض الصداق أو كله ، أو النفقة أو الكسوة أو بعضها ، أو ليالِها ، أو بعضها ، أو تهب له شيئا كما وهبت أم المؤمنين سودة بنت زمعة لياليها لعائشة لحب النبى A عائشة أكثر من غيرها ، لئلا يطلقها A ، وقد أراد طلاقها لكبر سنها ، فلم يطلقها لإبرائها إياه من حقها ، وهبتها لعائشة ، وقد قالت: أريد أن أعد من نسائك وولا حاجة لى في أمر النساء ، وكما روى أنه كانت لأبى السائب امرأة ولدت له أولادًا لم يقنع بجمالها فهمَّ بطلاقها ، فقالت: لا تطلقنى ، دعنى حتى أَشتغل بمصالح أولادى ، واقسم لى في كل شهر ليالى قليلة ، فقال: إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لى ، فنزلت الآية في ذلك كله ، وكما روى عن عائشة أَنها نزلت في امرأة هى ابنة محمد بن مسلمة ، كانت عند رجل ، هو رافع ابن خديج ، أراد أن يستبدل بها امرأة لكبر أو غيره ، فقالت: أمسكنى وتزوج بغيرى ، وأنت في حل من النفقة والقسم { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } أفضل من الفرقة وسوء العشرة والخصام ، عَلَى فرض أن فيهن حسنا ، بضم فإِسكان أو الصلح حسن بالخروج عن التفضيل ، أو الصلح منفعة ، كما أن الخصام مضرة ، وأل للعهد أو للجنس ، وهذا إلى قوله غفورًا رحيما معترض بين قوله وإن امرأة الخ وقوله وإن يتقرقا الخ المعطوف عليه ، ولذلك تخالفت الجمل ، فعلية ، واسمية ، وشرطية ، وغيرها فيما بينهما ، وهذه الجملة لتمهيد الصلح ، وقوله { وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ } لتمهيد العذر يجعل الله الأنفس مطلقا حاضرة للشح تتبعه ، وتميل إليه لا تغيب عنه ، فالنائب يجعل الله الأنفس مطلقا حاضرة للشح حاضرًا للأنفس لا يتركها ، فالنائب المفعول الثانى فالمراد لا تترك المهر والمؤونة وقسم ، والرجل لا يسمح لها بإداء ذلك لها وقضاء عمره معها ، بإحسان العشرة مع كراهيته لها لدمامتها أو كبر سنها أو غير ذلك ، والشح البخل مع حرص ، فهو أخص من الحرص ، وقيل هو أقبح البخل { وَإن تُحْسِنُوا } أيها الأزواج في عشرتهن بإمساك بمعروف ، والصبر مع كراهتكم لهن { وَتَتَّقُوا } ظلمهن بالنشوز ونقص حقوقهن ، أو تركها ، أو أن تحسنوا أيها المصلحون بينهما وتتقوا الميل إلى أحدهما { فَإِنَّ اللهَ } أى يثيبكم الله ، لأن الله { كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الإحسان والصلح والإصلاح { خَبِيرًا } فليس بترك الجزاء ، وفى خطاب الأزواج بعد الغيبة والتعبير عن مراعاة حقوقهن بالإحسان ، ولفظ التقوى المنبىء عن كون النشوز مما يتقى ، وذكر الوعد لطف الاستمالة والترغيب في حسن المعاملة ، روى أن امرأة من أجمل النساء تطيع زوجها ، وهو من أذم الرجال ، وتحمد الله على ذلك ، فلامها رجل ، فقالت: هو من أهل الجنة لأنه شاكرِ ، وأنا من أهلها لأنى صابرة ، أو قالت: الحمدلله ، فقال لها زوجها: علام؟ فقالت: لأنى رضيت مثلك ، فصبرت ، ورزقت مثلك فشكرت ، وقد وعد الله الجنة للصابرين والشاكرين .