{ قلْ إنَّ ربى يبسْطُ لمَنْ يشاءُ } بسطه له { ويَقْدر } يضيقه لمن يشاء ضيقه له ، وليس البسط دليل الكرامة ، ولا القدر دليل الهوان ، وإلا خُص البسط بالمطيع يفعل ما يشاء بحسب الحكمة من البسط للمطيع ، والقدر للعاصى والعكس ، والبسط لهما ، والقدر لهما والبسط لواحد تارة ، والقَدْر له أخرى ، فلا يقاس ثواب الآخرة عقابها على البسط والقدر .
{ ولكنَّ أكْثر النَّاس لا يعْلمُون } ذلك ، فمن قائل: البسط للشرف والكرامة عند الله تعالى ، والقدر للهوان والحقارة ومن متحير معارض له D كيف بسط لفلان ، وقدر على أو على فلان ، قال:
كم عالم عالم أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذى ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا
أراد بالعالم النحرير الجنس أو خصوصا نفسه ، فإن أراد التعجب من قضاء الله مؤمنًا به فلا بأس ، وإن أراد الجهل والشك فهو كفور ، والمؤمن من قال:
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
قال محمد القرطبى: إن الغنى إذا كان تقيا يضاعف له الأجر مرتين ، ثم قرأ قوله تعالى: { وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم } إلى قوله: { جزاء الضعف } الخ وعنه A: « ما أحسن الغنى مع التقوى » وعن عمرو بن العاص عن النبى A: « نعم المال الصالح للرجل الصالح » وعن هشام عن عمر: كرمكم تقواكم ، وشرفكم غناكم ، إحسانكم أخلاقكم ، قال بعض المتقدمين: المال في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة ، ومن جعل الفقر لحافًا فهو غريب أينما كان ، قلت: هذا غنى إذا أنس به ، واطمأن قلبه ، قال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال من حله ليصل به رحمه ، ويخرج منه حقه ، ويصون به عرضه ، قال هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضى الله عنها: قسم ميراث الزبير بن العوام أربعين ألف ألف درهم .
وكان لعبد الرحمن بن عوف ثلاث نسوة ، طلق إحادهن في مرضه ، فصولحت عن ثلث الثمن على ثلاثة ألفًا ، وعن عمرو بن دينار: غلة طلحة ابن عبيد الله كل يوم ألف ، وقد فضل قوم الغنى لذلك ، ولو حرم لم يتركهم النبى على غناهم ، وشرط ذلك إخراج الحقوق منه ، والنفع به ، وعدم الفخر والكبر به ، وقد اختار بعضهم الفقر من الرجل الصالح على الغنى من الغنى الصالح ، ويناسب الأول قوله تعالى: { ووجدك عائلا فأغنى } فلو كان الفقر أفضل لم يغنه .