{ إنَّا جَعَلناهُ } ذلك الكتاب المبين { قرآنًا عَربيا } صيرنا معانيه مترجما عنها بألفاظ عربية تقرأ ، وهذا التصيير خلق ، فالقرآن مخلوق ، ولا قرآن سوى هذه الألفاظ ، كما هو ظاهر آيات من القرآن ، كما اذا ثبت قيام زيد فصيرت منه قام زيد ، وليس مصيرا من الكلام النفسى ، اذ لم يثبت وصف الله بالكلام النفسى ، لأن فيه تشبيها بالمخلوق ، وسمى كلام الله لأنه خلقه ، وفسر ابن عباس: { إنَّا جعلناه قرآنًا عربيا } بكتبناه في اللوح المحفوظ قرآنا عربيا ولا يصح عنه نفى خلقه ، فان صح عنه أنه قال لسائله: أهو خلق من خلق الله ، بل كلام من كلام الله ، فالمراد أنه رجح له تسميته كلام الله ، لأنها الواردة في القرآن حتى يسمع كلام الله ، فان كلام الله القديم لا يسمع على فرض ثبوته ، ودعوى أن هذا ترجمة القرآن عن الكلام القديم النفسى تكلف ، وخروج عن الظاهر الى باطن لا دليل عليه ، وخروج من علم ونور ، الى جهل منهم وظلمة .
جاء ابو شاكر الديصانى من فارس ، فرأى خلق المسلمين كثيرة مع علم كثير ، وفهم فائق ، وأراد أضلالهم ، فعمد الى حلقة الحديث ، لأنهم أرق نفسا ، وأضعف ، وقال لهم: عجمى أسلمت ، ورأيت حلقتكم أكثر ذكرا له A ، وأولى لنا أن نعتزل عن هؤلاء الخلق ، لئلا نسمع كلامهم ، وقالوا: أصدقت ، وكلما ذكر A شهق وأظهر الورع ، ثم تغيب مدة وقالوا: أن مرض عدناه ، أو احتاج أعطيناه ، فوجدوه في قعر بيت يبكى ، وقالوا: مالك؟ قال: وقع ما حذرتكم عنه ، أتيت حلقة حماد بن أبى حنيفة فقيل: ما تقول في القرآن؟ فقال: انه مخلوق ، عمد الى كلام الله وضيائه الذى خرج منه ، واليه يعود ، فجعله مخلوقا ، وجعل الله قبل خلق القرآن أخرص عاجز محتاجا ، فبكوا وقالوا: وجب علينا جهاد هؤلاء بأن نخالطهم ونأخذ من كلامهم ، ونرد عليهم ، فذهب بعض الى حلقة علم الكلام ، وبعض الى القدرية ، وبعض الى حلقة جماد { لعلَّكم تعقلُونَ } كى تعقلوا معانيه .