فهرس الكتاب

الصفحة 4512 من 6093

{ إن هِى } أى الموتة التى تعقبها حياة { إلا مَوتتُنا الأولى } هى انتفاء عنهم حين كانوا نطفا في بطون أمهاتهم ، حتى ينفخ فيهم الروح ، وأما الموتة بعدها فلا يعقبها حياة ، فلا بعث ولا ثواب ولا عقاب كما قال: { وما نَحْن بمُنْشَرين } بمبعوثين ، ورد الله عليهم بقوله: { وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم } فسمى الله ما قبل نفخ الروح في لجنين موتة ، والمعهود الموتة التى تعقبها ، فهىلمراد في كلامهم ، ولا يعارض ذلك قوله تعالى: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } لأن الأولى في هذه الآية الموت بعد الحياة الدنيا ، بدليل يذوقون ، وموت ما في البطن قبل النفخ لا يسمى ذوقا ، إذ لا ضر فيه على الجنين ، وانما سميت الأولى باعتبار تصور موتة ثالثة ، فان الشىء الثانى أول باعتبار الثالث ، والثالث أول باعتبار الرابع ، ولا يخفى أن الأول تشعر بالثانية ، والأول يشعر بالثانى ، فان وجد ذلك تحقيقا فهو الأصل ، ولا اعبر حكما وفرضا .

ولنا تأويل آخر هو أنهم يحيون في القبور ، ويعذبون ويموتون أربعين عاما اذا قامت القيامة ، ثم يحيون بالبعث ، سمعوا هذا فأنكروا أن يموتوا موتة البرزخ ، وأن يحيوا قبلها في القبور ، ويبعثوا فقالوا: الأولى ثابتة ، والثانية التى تدعونها بعدها حياة باطلة ، واذا قال: هذا أول مال اكتسبته ، ولم يكسب ثانيا حين قال ذلك أولا بعد ذلك أيضا ، فانما قال ذلك باعتبار قصده الى أن يكسب ثانيا ، أو فرض كسبه ، ولولا ذلك لم يسمه ألولا ، ولا يقال حج عمر ، والحجة الأولى ، ومات مطلقا ، بل بقيد أن يقصد الثانية ، أو تعتبر له ولو بالنفى مثل أن يقال ثانيته لم تكن كقولك حج لم تكن بعدها أخرى ، أيضا ولو باعتبار غيره ممن له ثانية .

فان قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا فعبدى حر ، عتق عبده بولادة ذكر ، ولا ينتظر به أن تلد آخر ذكرا أو أنثى ، وما ذلك غلا باعتبار صورة أخرى ، هى أن تلد أنثى أولا ، ثم ذكرا بعد ، وبهذا المثال توهم الفارسى أنه لا يشترط للأول ثان حتى ادعى الاتفاق عليه ، وأن الموتة الأولى في الآية الموت في الدنيا مع أنه لا ثانية بعدها ، وليس كما قال ، مع أن هذا المثال لا يقبل حى يصح ورود مثله في كلام العرب ، وأما الحكم الشرعى ، فالسؤال عن قصد المتكلم به ، فان: قصدت ولادة الذكر بلا سبق أنثى حكم بالعتق ، وإلا فلا عتق حتى تلد آخر ، والإ لزم أن كل فعل مخصوص يسمى أولا ولو بدون اعتبار سبق من فاعله ، وهذا كالعبث ، مثل أن يقرأ سورة الاخلاص مرة فتقول: هذه أول مطلقا بلا قصد منك لا منه ثانيه ، ولا قصور في هذا ، وأسهل من ذلك أن المراد بالأولى مطلق التقدم ، وأطلق المقيد وهو ما له ثان ، وأراد المطلق وهو المتقدم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت