{ والَّذينَ اجْتَنبُوا الطَاغُوت } فلعوت من الطغيان ، بزيادة الواو والتاء ، وأصل الألف ياء أو واو من طغا يطغو ، أو طغى يطغى بفتحهما ، كما يقال: الطغيان والطغوان ، قدمت اللام على العين ، واللام واو أو ياء مفتوحة ، هكذا طوغوت وطيغوت ، فقلبت ألفا لتحركها بعد فتح كما وقع التقديم بمهم في صاعقة من صاعقة ، والطاغوت الكاهن والشيطان ، وكل رأس في الضلال ، والساحر والمتعدى ، وكل معبود من ددون الله مريد للعبادة ، أو صنم لا ارادة له ، والمارد من الجن ، والصارف عنالخير ، وقيل حقيقة في الشيطان ، يطلق على الواحد فصاعدا ، ولعل أصله مصدر ، جعل اسما للمبالغ في الطغيان فصح اطلاقه على القلي والكثير ، كما استعمل في الآية للجماعة فأنت بتأويل الجماعة إذ قال: { أنْ يعْبُدوها } فى تأويل مصدر بدل اشتمال ، أى عبادة تلك الجماعة من الأصنام أو الجن أو الآدمين .
{ وأنابُوا الى الله } بالعبادة معرضين عن غيره { لَهُم البُشْرى } بالسعادة والجنة على ألسنة الرسل في الدنيا ، جزما لبعض ، وعلى شرطا البقاء على الحق لبعض ، وعلى األسنة الملائكة عند الموت ، وعند الحشر { فبشر عِبَاد * الذين يسْتمعون القَول فيتَّبِعُون أحْسَنه } أى فبشرهم بالاضمار الذين اجتنوا الطاغوت ، وأنابوا الى الله D ، وأظهر ليصفهم باستماع القول ، واتباع أحسنه ، وهم على العموم هنا وهنالك ، وقيل: على الخصوص بحسب النزول ، قيل: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل ، وسلمان ، وأبى ذر ، كانوا في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله ، وقيل في عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبى وقاص ، وسعيد بن زيد ، والزبير ، لما أسلم أبو بكر جاءوه وقالوا: أسلمت؟ فقال: نعم ، فذكرهم بالله تعالى فآمنوا ، ويعتبر عموم اللفظ ، والقول عام وأحْسنه ما كان منه حقا ، وهو خارج عن التفضيل ، أو باق إظهار النفل إلا لداع ، ويتبعون أسراره ، ويبتعون الطاعة الواجبة قبل المندوب اليه ، والقرآن قبل غيره .
وهكذا كل حسن وأحسن يتبعون الأحسن يتبعون الأحسن ، ومن الحسن المباح ، وإذا عرض ندب وواجب سارعوا الى الواجب ، والقول قول الله تعالى وقول غيره ، فما ذكر الله D أنه قبيح اجتنبوه ، وما ذكر أنه حسن أو أحسن اتبعوا أحسنه ، ويجتنبون قول الناس القبيح ويتبعون أحسنه وحسنه ، ويقدمون الأحسن ، والذين نعت ولو وقف على عبادى وأخبر عن الذين بقوله { أولئك الَّذين هَداهُمُ الله } لكان العباد هم الذين اجتنبوا الطاغوت المعهودين ، لكن لا يحمل الكلام على ذلك الوقف { وأولئك هُم أولوا الألباب } القلوب الخالصة التى لا يؤثر فيها الهوى ولا الشبهة .