{ ليجْعَل ما يلقى الشيطانُ } أى ما يلقيه أو إلقاءه ، والإظهار لما مر لا يتعلق بألقى معنى سلط الله الشيطان بالإلقاء ، لعطف ليعلم عليه ، مع أن لإلقاء لا يصح علة له ، بل يتعلق بيحكم أو ينسخ يصح تعلقه بألقى ، ويقدر ليعلم متعلق أى وفعل النسخ والأحكام ليعلم الذين الآية { فِتْنةً } ابتلاء بالخذلان { للِّذين في قلوبهم مرض } المشركين المضمرين الشرك في قلوبهم ، المظهرين التوحيد بألسنتهم ، كما قال في آية أخرى: { في قلوبهم مرض } { والقاسية قلُوبُهم } المظهرين الشرك كأبى جهل وعتبة ، وشهر في أحاديث كثيرة أنه قرأ A: { أفرأيتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى } قرأ الشيطان محاكيًا لصوته: تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترجى ، ويروى: ان شفاعتهن لترتجى ، وإنها لمع الغرانيق العلا ، ويروى قرأ ذلك ناعسًا وما في قلبه شىء من ذلك ، ورضى عنه المشركون وسجدوا حينئذ إذ سجد ، وانتبه لذلك أو نبهه جبريل عليه السلام . فأخبرهم بأنه لم ينطق هو ذلك ، أو أم يقصد ذلك ، وضعف البيهقى وعياض ذلك الحديث ، وذلك إما أن يتكلم به النبى A وعلى آله عمدًا ، وهذا لا يجوز لأنه إشراك ، وإنما بعثه الله D لإبطال الشرك والطعن في الأصنام لا لمدحها ، وأما أن يجرى الشيطان ذلك على لسانه A إجبارًا بحيث لا يقدر أن يمتنع ، وهذا باطل ، لأنه لا قدرة للشيطان على ذلك في حق غيره ، وكيف في حقه A قال الله D: { إن عِبادِى لَيس لَك عليهم سلطان } وأما أن يجرى ذلك على لسانه في غفلة أو نوم ، وذلك لا يجوز ، لأنه يؤدى الى عدم الأعتماد على ما يقول ، وقد قال الله D: { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } وقال سبحانه وتعالى: { إنَّا نحن نزَّنا الذكر وإنا له لحافِظُون } فلما بطلت هذه الوجوه بقى أن يقال: إنه لما تمت قراءته صلى الله عليه سلم عند قوله: { ومناة الثالثة الأخرى } قال الشيطان عقبه محاكيًا لصوته تلك الغرانيق الخ ، سمعوا صوته ، وقد سمع الناس في مواضع كما قال يوم أحد: إن محمدًا قد قتل ، ويوم بدر لا غالب لكم اليوم الخ وسمعوه .
{ وان الظالمين } هم القاسية قلوبهم ، والذين في قلوبهم مرض وأظهر ليصفهم بالظلم { لفى شقاق } خلاف وعناد { بَعيدٍ } شديد .