{ فاطرُ السَّمواتِ والأرض } فاطر خبر رابع اذا جعلنا عليه توكلت خبرا ، فيكون من الأخبار بالمفرد بعد الجملة ، والأولى خلافه فالجملة معترضة ، أو يقدر مبدأ أى هو فاطر ، أو بدل من ربى { جَعَل لَكُم من أنفسِكُم } من جنسكم الآدمى { أزواجًا } نساء للوطء والولادة وسائر المنافع { ومن الأنعام } لكم عطف على من أنفسكم { أزواجًا } عطف على أزواجا ذكورا واناثا ، لينتفعوا بالأكل واللباس والحمل وغير ذلك ، وذلك من العطف على معمولى عامل ، وكذا إن قلنا: المعنى جعل من الأنعام أزواجًا للتوالد بين ذكورها واناثها ، كما جعل لكم نساء فالذكر منها مطلقا كالزوج للأ ، ثى ، أو أزواجا ذكورا وإناثا كما في سورة الأنعام ، وهى لا تتزوج كما تتزوج الطيور .
{ يَذرؤكُم } يكثركم ، وقال ابن عباس وغيره: يجعل لكم معيشة ورزقا ، وعن مجاهد يخلقكم نسلا بعد نسل { فيه } أى فيما ذكر التدبير بجعل الأزواج منكم ومن الأنعام ، وقيل: الضمير للجعل المفهوم من جعل ، وفى للظرفية أى في خلال ذلك وفى أثنائه فهو كالمنبع للكثرة ، ويجوز أن تكون للسببية ، وقيل: الهاء للبطن المدلول عليه بالمقام ، وفى للظرفية ، والخطاب للعقلاء فقط ، فلا تغليب لخطابهم في غيبة الأنعام ولا للعقلاء عليها ، كما يقول من ادعى: ان الخطاب لهم ولها .
{ لَيسَ كمثله شىءٌ } ما من الأشياء فلا تزواج بينه وبين غيره كما تزاوجتم وتزاوجت الأنعام ، ولا مشاركة لغيره في شأن من الشئون التى منها التدبير البديع السابق ، ومثله ذاته التى لا تكيف ، لكن عبر بما يفيد نفى المماثلة عن مثل مثله ، لو كان له مثل فكيف عنه بطريق المبالغة أو لا مثل له في نفس الأمر ، والعرب تقيم المثل مقام نفس الشىء كقولهم مثلك لا يبخل ، أى أنت لا تبخل إلا أنه عبروا بما أفاد انتفاء البخل ، وأنه من جماعة لا يبخلون ، وهو أبلغ من قولك: أنت لا تبخل ، وقيل المثل لاصفة ، وكذا شىء ليس كصفته صفة ، وقيل الكاف زائدة للتأكيد ، وهو أولى من القول بزيادة المثل ، ولو كانت هى المتقدمة ، لأن زيادة الحرف أولى من زيادة الاسم ، والمماثلة تكون في الذاتيات وفى العوارض نحو الفرس مثل الانسان في الحيوانية ، ومثله في الحركة والأكل والشرب ، ويجوز أن يكون المراد نفى المثل عنه تعالى بمعنى أنه لو كان له مثل لكان مثل ذلك المثل ، كقولك: ليس لأخى زيد أخ أى لا أخ له ، إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ ، وهو زيد ، وذلك من نفى الشىء بنفى لازمه ، لأن نفى اللازم يستلزم نفى الملزوم .
{ وهُو السَّميعُ البَصِيرُ } العليم بالأصوات وغيرها من الأجسام والألوان والأعراض والأطوال وغير ذلك ، مما يدرك بالبصر ، تعالى الله عن الحواس ، أو البصير العالم بالموجودات مطلقا كما قال الله تعالى: { والله بما تعملون بصير } وهكذا الوجهان ، كلما ذكر سمعه تعالى وبصره معا ، وقدم نفى المثل على طريق تقديم التخلى على التحلى ، وهو أهم بنفسه وبالنظر الى المقام ، سبحانه عن كل نقص .