فهرس الكتاب

الصفحة 3734 من 6093

{ ولقَد آتيْنا دَاود منَّا فضْلا } من للابتداء متعلق بآتينا أو بمحذوف حل من فضلا ، والفضل زيادة الخير الدينى والدنيوى على ما عنده قبله ، وليس المراد تفضيله على غيره ، ونكر فضلا للتعظيم ، وذكر منَّا مع أنه يغنى عنه آينا لتفخيم ما أوتى بأنه بلا واسطة ، كقوله تعالى: { وعلمناه من لدنا علمًا } وقدم منَّا على فلا على طريق الاعتناء به ، والاهتمام وللتشويق الى المؤخر ليزداد تمكنه في النفس عند وروده .

وأقوال: لا يسند الاعتناء والاهتمام الى الله سبحانه ، ولذلك كنت أقول على طريق الاهتمام والاعتناء ، لأن في أصلهما علاجا وكسبا وتعبا ، وما ذكرته أولى من أن يقال فضلا على من قبله من النبيين كالملك ، والصوت الحسن ، أو على أنبياء بنى اسرائيل ، أو على الأنبياء غير نبيا A ، أو عليه أيضا من حيث انه قد يكون للمفضول شىء ليس للفاضل ، وذكر هنا شئون داود وسليمان لمناسبة { عبد منيب } ولأن ما أعطاهمطا مستحيل عادة ، فكذلك يقدر على البعث الذى تعدونه مستحيلا ، وللزجر عن أن يستبعدوا ما أعطى A فانه قد أعطى داود وسليمان ما أعطى ، وما أوتى نبى فضيلة إلا أوتى نبينا مثلها بالفعل ، أو تمكن منها ، واختار عدم أظهارها A .

{ يا جبال أوبى مَعَه } إلأخ بيان للفضل ، والتأويب التسبيح كما قال ابن عباس: وهو لفظ عربى ، لا كما قال الطبرى عن أبى ميسرة: إنه بلغة الحبشة ، وقيل: بمعنى زجِّعى معه التسبيح ، أى ردديه فيكون بينكما يسبح ، وتسبحين ، والتشديد للمبالغة ، والأصل أوبى باسكان الواو بعد ضمة كما قرأ به ابن عباس والحسن وقتادة ، أى ارجعى معه الى التسبيح ، ليس تفسيره بالمتعدى موجبا لأن يكون متعديا كما قالوا: هنا معناه رجعى معه التسبيح ، فانه إنما هذا بيان لكون التسبيح في ضمنه ، كما تقول: معنى ذهب زيد ، نقل زيد نفسه ، وإلا قيل: أوبى التسبيح ، وهم لم يقولوه .

والجبال تسبِّح بصوت يسمع بقدرة الله ، وخلق فيهما الفهم ، وأمرها كما يؤمر العاقل ، وناداها كما ينادى العاقل ، وقد سبَّح الحصى في يد رسول الله A ، ووضعها في يد الصديق فسبحَّت ، وليس المعنى حملها إياه بالتفكر في شأنها على التسبيح ، لأنه قال: { أوبى } بصيغة الأمر ، لا أوبْته ، ولأنه قال معه ، ولأن كل من تأمل في الجبال أداه تأمله الى التسبيح لا داود فقط ، فلا يكون معجزة له ، ولا مفضلا به .

وقيل: تاويبها رد صداه إذا سبح نائحا على نفسه ، ويبحث بأن الصدى أثر صوت الصائت لا صوت ، وفعل لنحو الجبل ، والله أمرها أن تغفل الصوت ، لأن الصدى يرجع أيضا لكل أحد ، اللهم إلا أن يقال ترد له الصدى بأمر الله سبحانه ، ولو لم يشدد الصوت ، وقيل: سيرى حيث سار ، وهو خلاف الظاهر أيضا لأنها تقارع الناس وغيرهم ، ولأنها أوتاد الأرض ، وأيضا أتبقى أو ترجع لأماكنها ، أو تسر في رجوعه معه الى جهة مسكنه ، وترجع الى أماكنها ، ولو كان الله قادرا أن يمسك الأرض بدونها ، وقيل: المعنى أطيعيه فيما أراد فيك من حفر واستنباط عين ومعدن ، ووضع طريق ، وفيه أنه خلاف الظاهر مشارك فيه ، وضمير المفرد المؤنث لجماعة جبال مخصوصة ، وهى جبال أرض هو فيها من الشام ، لأن اللفظ نكرة مقصودة ، وذلك مفعول لحال محذوف من فاعل فضل ، أى قائلين: يا جبال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت