{ فلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا } الآيات التسع وذكرها بالحق في موضع الظاهر تفخيمًا لها حتى أَنه إِذا ذكر لفظ صرف إِليها ، أَو الحق دين الله أَو اليد والعصا لأَن نزاعهم وقع في اليد والعصا ، ولا يصح ما قيل أَن التقدير قال موسى قد جئْتكم ببينة من ربكم ، إلى قوله فأَلقى عصاه ، إِلى للناظرين ، فلما جاءَهم الحق لأَن مجىءَ الحق هو مضمون قد جئْتكم ببينة ، فلا يقدر لما جاءَهم الحق معطوفًا عليه ، ونسبة المجىءِ إِلى الحق استعارة ، ويضعف تفسير الحق بدين الله بأَنه لا يتم معه الجواب للما بقوله { قَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ } ظاهر في نفسه ، أَو متميز عن غيره فائِق له ، من أَبان اللازم ، أَو مظهر للباطل حقًا من أَبان المتعدى ، وأَفادت الفاء أَن تجاسرهم على قولهم هذا مسبب عن اعتيادهم الإِجرام ، ومعنى جاءَ حصل تجوزا للإِشعار بأَن المقدرات متوجهة من الأَزل أَو اللوح المحفوظ إِلى أَوقاتها شيئًا فشيئًا ، فشبه التقرب شيئًا فشيئًا بالمجىءِ شيئًا فشيئًا ، وشبه بالشخص المتنقل بالمجىءِ من الله ورمز إلى ذلك التشبيه بما يلائم الإنسان وهو المجىءُ ، أكدوا بطلان ما هو حق أكيد ثابت بالحس أو بالمعجزات التى لا تخفى عنهم إلا جحودا ، ويجوز تقدير المعرفة هكذا: فلما جاءًهم الحق من عندنا وعرفوه ، حقا لأنه قد يجىءُ ولا ولا يعرف ، وقد يجىءُ فيعرف . والمعنى جاءًهم الحق واضحًا كما دل عليه قوله تعالى: { واستيقنتها أنفسهم } وكأَنه قيل: فما قال لهم موسى؟ فقال الله D:
{ قَالَ مُوسَى } لهم { أَتَقُولُونَ } توبيخ وإِنكار للياقة هذا القول { لِلْحَقِّ } فى شأْن الحق { لمَّا جَاءَكُمْ } ومفعول تقول محذوف تقديره إِنه لسحر فقال موسى أَو الله لهم { أَسِحْرٌ هَذَا } استفهام إِنكار وقوله { وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُنَ } حال ، وهو من جملة مقول هذا القول المقدر ونحن قد أَفلحنا فليس سحرا ، ولا يجوز أَن يكون قوله أَسحر مفعولا به للقول لأَنهم جزموا بأَنه سحر ولم يتوقفوا عن الجزم كما قال الله D { قالوا إِن هذا لسحر } اللهم إِلا أَن يكون الاستفهام للتقرير والتحقيق ، أَى أَقر يا موسى بأَنه لا يفلح الساحر ، وأُجيز أَن يكون القول بمعنى العيب ، يقال فلان يخاف القول ، أَى العيب ، وفيه أَن عاب متعد فأَين مفعوله فلا يصح أَن يقال أَنه لما كان بمعنى العيب لم يكن له مفعول ، وإِن قيل لم يتعلق المعنى بالمفعول فلم ذكر قوله للحق ، وإِن قيل الحق مفعول فلم زيدت لام التقوية في المفعول مع أَنه لم يتقدم ولم يعضف العامل بكونه مصدرًا أَو وصفًا ، وقد يقال للبيان كما يقال أَعنى بزيد كأَنه قيل ذلك للحق .