{ إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ } يا عائشة وحفصة من اتفاقكما على قولكما فيك رائحة المغفور وليست به تنحيانه عن زينب وما لكما تنحيته عنها ، وتمنعانه من الانتفاع بالعسل ، وحق لكما أن تقراه على ما يحب وتزايداه ، ومِنْ منعكما عن مارية سرية له يحبها مؤمنة غريبة ، وكان حقًا عكس ذلك ذكر واحدة فقط بلفظ الغيبة وهو بعض أزواجه ، فإِن الظاهر من قبيل الغيبة والأُخرى مضمونة في قوله « فلما نبأَت » وهى مفعول به محذوف على طريق الغيبة بالظاهر أيضًا على صورة الإِبعاد عن صورة الخطاب ، وحين يشتد العتاب يخاطب من أعرض عنه أولا .
قال ابن عباس رضى الله عنهما لم أزل حريصًا على سؤال عمر رضى الله عنه عن المخاطبتين حتى حججت معه وعدل عن الطريق وعدلت معه بإِداوة ماء ونزل وصببت الماء على يديه وتوضأَ فقلت: يا أمير المؤمنين مَنْ المخاطبتان من أزواج النبى - A - في قوله تعالى: { إِن تتوبا إِلى الله . . } الخ فقال واعجبا لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة ، وحدثنى الحديث بطوله ، رأيت ذلك في البخارى وبعد مدة رأيته أيضًا في مسلم وقوله يا عجبا تعجب من عدم معرفة ابن عباس بهما إِلى وقت سأَله ، وقال الزهرى المعنى أنه كره أن يسأَله عن ذلك .
وفى الحديث عن عمر كنا معشر قريش نغلب نساءنا ولما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فتعلمت نساؤنا منهن ، وقد تهجر النبى - A - إِحدى نسائه اليوم إِلى الليل فقيل له - A - كنا نغلب نساءنا ولما قدمنا المدينة غلبتنا فتبسم رسول الله - A - وما رأيت في بيته - A - شيئًا إِلا أهبة ثلاثة ، فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أُمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله تعالى فقال: « يا ابن الخطاب أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الدنيا » ، والأهبة الجلود جمع إِهاب .
{ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } أتت القلوب بتأويل الجماعة وأقلها اثنان أو ثلاثة حقيقة واثنان تجوزًا وتوسعًا وما لهما إِلا قلبان ، ولم يقل قلبا كما لئلا تجتمع صيغتا تثنية وهذا هو الكثير ، ويليه الإِفراد وإِرادة الجنس نحو فقد صغى قلبكما وبعده التثنية نحو قلباكما وهى الأَصل ، هذا كلام ابن مالك . وقال أبو حيان الإِفراد مخصوص بالشعر عند أصحابنا يعنى أهل أندلس ، ومعنى صاغت مالت عن الواجب من اعانته على ما يحبه - A - والجملة جواب على معنى أصبتما في التوبة فاستعمل السبب وهو ميل القلب في المسبب وهو كون التوبة أصابت محله أو الجواب محذوف أقامت علته مقامه فقد أديتما الواجب أو أصابت توبتكما محلها لأَنه قد صغت قلوبكما ، ويجوز أن يكون صاغت بمعنى إلى الحق وهو التوبة فتكون الجملة جوابًا بلا تأويل ولا حذف ، إِلا أن هذا لا يتبادر ولو كان حسنًا ، ولأَنه ليس فيه ما فيما تقدم من الفوائد مع اختصار اللفظ ولأَنه تنافيه قراءة ابن مسعود فقد زاغت قلوبكما ، وأما مسأَلة كون الجواب ماضيا لفظا ومعنى بغير مسلمة عندى سواء كان فلظ كان أو غيره لأَن الجواب منتظر فإِذا قلت إِن قام زيد قام عمرو أمس فمعناه صح قيامه أمس والصحة مترتبة لا ماضية ومنه قول الشاعر: