{ وَلَقَدْ جَاءَتْ } لم يقل وإِلى إِبراهيم كما في نظائِره ولأَن الملائِكة للشر لا للرسالة ، وإِنما أُرسلوا إِلى قوم لوط كما قال: إِنا أُرسلنا إِلى قوم لوط { رُسُلُنَا إِبْرَاهِيم } ثلاثة عشر ملكا رئِيسهم جبريل ، وهو منهم على صورة الغلمان في غاية الحسن ، وقيل تسعة أَحدهم جبريل ، وقيل ثلاثة جبريل وميكائِيل وإِسرافيل ، وقيل وعزرائِيل فهم أَربعة ، وقيل ثمانية أَحدهم جبريل ، وقيل أَحد عشر أَحدهم جبريل ، وفى جميع الأَقوال هم على صورة الغلمان الذين في غاية الحسن ، وعاش إِبراهيم مائة وخمسًا وسبعين سنة ، وبينه وبين نوح أَلف سنة وستمائَة سنة وأَربعون سنة ، وإِسحاق مائَة وثمانين سنة ، ويعقوب مائَة وخمسا وأَربعين سنة ، ورجحوا في عدد الرسل المرسلين إِلى إِبراهيم من الملائِكة أَنهم ثلاثة ، وهو قول ابن عباس ، لأَن أَقل الجمع ثلاثة ، وهى مقطوع بها ، وما فوقها محتمل وإِطلاقه على أَقل مجاز يحتاج إِلى قرينة ، ورجح بعض عشرة على أَنها أَول جموع الكثرة وبعضهم أَحد عشر على أَن العشرة أَكثر جمع القلة ، وبعض تسعة على أَنها أَول جمع الكثرة ، وبعض ثمانية كذلك والرسل جمع كثرة { بِالْبُشْرَى } بالتبشير بإِسحاق من صلبه ويعقوب من صلب إِسحاق كما قال: وبشرناها بإِسحاق ، وبشرناه بغلام حليم ، وقال ومن وراءِ إِسحاق يعقوب ، وقال: ويعقوب نافلة ، وقيل بهلاك قوم لوط ، وهلاك العدو من أَعظم ما يكون التبشير به ولا سيما عدو الدين ، واعترض بقوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط ، وقيل بعدم لحوق الضرر به ، ولما ذهب عن إِبراهيم الروع ، وجاءَته البشرى ، وقيل البشارة الأُولى من ميكائِيل والثانية من إِسرافين عليهما السلام { قَالُوا سَلاَمًا } سلمنا عليك سلاما أَى تسليما ، والجملة إِنشائِية أَو هو مفعول قالوا ، أَى ذكروا سلاما بلفظ السلام عليك أَو سلام عليك فيكون في قولهم بالجملة الاسمية كما في جواب إِبراهيم ، أَو بلفظ سلمنا سلاما ، أَو بحذف سلمنا فيكون دون سلام إِبراهيم لأَنه بالفعلية والأَولى أَن لا يكون دونه { قَالَ سَلاَمٌ } أَى عليكم سلام ، أَو سلام عليكم ، أَو أَمرى سلام ، أَو جوابى سلام { فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ } أَى ما تأَخر عن أَن جاءَ أَو في أَن جاءَ أَو بأَن جاءَ أَى ما قام غير جاءَ وذلك مبالغة في السرعة ، وإِلا فلا بد من الاشتغال بعد مجيئِهم بذبح العجل وشبه أَو طبخه اللهم إِلا إِن هيىءَ قبل لحاجة لشدة رغبته في الإِضافة وليوافق جائِعا ، ولشدة كرمه ، ويناسبه فراغ إِلى أَهله فجاءَ بعجل سمين بفاءِ الاتصال ، وقد يقال التجدد للضيف أَشد إِعظامًا له وأَزيد في الاعتناءِ به ، واختاره بعض المحققين وأَنا أَختار الأَول ، لأَن الإِفراج بالطعام مطرد وليس كل مضاف يعرف أَن في التأْخير للتجدد اعتناءً به وليس يعرف أَن التأْخير للتجدد ، نعم الطعام الجديد أَحلى ببقاءِ بعض حرارته ، ويجوز أَن يفسر لبث بأَبطأَ وفاعل لبث ضمير إِبراهيم ، ويجوز أَن يكون أَن جاءَ أَى ما أَبطأَ أَو ما تأَخر مجيئُه بعجل ولا حاجة إِلى جعل ما مبتدأٌ أَو مصدرية ، والمصدر مبتدأٌ والخبر أَن جاءَ على حذف مضاف ، أَى فلبثه قدر مجيئه بالعجل أَو اللبث الذى لبثه قدر مجيئه لما في ذلك من التكلف { حَنِيذٍ } مشوى في حجارة محماة أَو مطبوخ ، والأَول أَولى أَو يقطر دسمه بعد شيبه أَو طبخه ، يقال حنذت الفرس إِذا أَلقيت عليه ما يعرف به كالجل ، وكان عامة ماشية إِبراهيم البقر فيما قيل والمشهور الغنم ، قيل: مكث عليه السلام خمسة عشر يوما لم يأْكل مع الضيف إِذ لم يجده ، ولما جاءَه الملائِكة ظنهم أَضيافا ، فعجل إِليهم فرحا ، وكان لا يأْكل إِلا مع الضيف ما وجده ، وفى مجيئِه مع أَنه يكفى بعضه سنة تقديم أَكثر مما يأْكل الضيف بكثير لينبسط في الأَكل ولا يستحى ، ويسن للمضيف النظر إِليه مسارقة ليقول لهم بالأَصلح لا مواجهة لئَلا يستحيوا .