{ ولقَد آتيْنا بنى إسرائيل الكتاب } المعهود لهم وهو التوراة المشتملة على الأحكام الكثيرة ، ويقال: لم يتسع لنبى فقه الأحكام ما اتسع لموسى عليه السلام ، وقلت الأحكام في الانجيل ، وأكثر أحكام عيسى من التوراة ، وأما الزبور فأدعيه ومناجاة ، والصحف مواعظ ، ولا مانع من أن ياراد بالكتاب الجنس الشامل لذلك كله لأنها كلها لأنبياء بنى اسرائيل بمتن الله تعالى بها عليهم ، وأحكام القرآن كثير ، وباعتبار ما يستخرج منه العلماء تكون أكثر مما في التوراة { والحُكْمٍ } القضاء بين الناس ، وكان المُلْك فيهم أو الفقه في الدين ، أو الحكم النظرية الأصلية والعملية الفرعية { والنبوة } ما كثرت النبوة والرسالة الا فيهم { ورزقناهُم مِن الطيِّبات } أعطيناهم الرزق الطيب وأنزلنا عليهم المن والسَّلوى { وفضلناهم على العالمين } كلهم من حيث كثرة النبيين والكتب والمعجزات ، لا من كل وجه ، فان هذه الأمة أفض من حيث إن نبيها أفضل الأنبياء ، وكتابها أفضل الكتب ، تشهد بذلك أنبياء اسرائيل وكتبهم ، ومر كلام في مثل هذه الآية ، وذلك كما قال الله D:
{ وآتيناهم بينات من الأمْر } قال ابن عباس: من أمر النبى A ، وعلامات مبينة لصدقه E ، ككونه يهاجر من مكة الى يثرب ، ويكون أنصاره أهلها ، والآيات الدلائل الظاهرة في أم رالدين ، ومن بمعنى في ، وشملت معجزات موسى عليه السلام ، وسيدنا محمد A ، وبعض شأنه ، وفسرها بعض بمعجزات سيدنا موسى عليه السلام { فَما اخْتَلفوا إلاَّ مِن بعْد ما جائهم العِلم } فى كتابهم بحقيقة الحال ، فجعلوا ما هو موجب لعدم الخلاف موجبا لرسوخ الخلاف ، ومن ذلك الباب أنهم كانوا مؤمنين برسول الله A ، فلما بعث وأنزل عليه الكتاب أنكروه ، وقل من آمن منهم ، فذلك اختلافهم ، أو المراد أنهم خالفوا على أنه لم يعتد بمن آمن لقتله ، ووجه الرسوخ قوة دلائل التوراة ، وما كفروا معها إلا رسوخ كفرهم ، فيجوز أن يكون العلم القرآن وهو أولى في تسبب كفرهم ، أو المراد كتبهم والقرآن .
{ بغْيًا } عدواة وحسدا لا شكا في التوراة أو في القرآن ، وما زالوا في ذلك حتى رسخ الانكار فيمن بعدهم ، ولم يذعنوا في قلوبهم وألسنتهم ، حتى كانوا مثل مشركى العرب ، ومن لا كتاب له ، والآن قل من يقول: محمد رسول العرب ، أو رسول الله من لا كتاب له وكذبوا ، بل رسول الى الناس كلهم ، قال A: « لو كان أخى موسى حيا لم يسعه إلا اتباعى » { إنَّ ربَّك يقْضى بيْنَهم } بالجزاء { يَوم القيامة فيما كانُوا فيه يَخْتلفون } من أمر الدين فيثيب المحق ، ويعاقب لامبطل كالمجسمة منهم ، ومُحرفى التوراة ، ومنكرى عيسى والانجيل ، وسيدنا محمد صلى الله عليهما وسلم ، والقرآن .