فهرس الكتاب

الصفحة 1700 من 6093

{ وَأُوحِىَ إِلىَ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ } الإِيمان يتعدد من المؤمن فإِنه كلما فعل أَو قال ما يسمى إِيمانا صح الإِخبار عنه أَنه آمن . فالمعنى أَنه لا يصدر إِيمان من قومك إِلا ممن آمن قبل فإِنه يتجدد إِيمانه ، وأَما غيرهم فلا يصدر منه إِيمان ولا يتكرر ، وأَما قولك إِلا من استمر أَو استعد على الإِيمان ففيه تأْويل لامن فقط دون قوله لن نؤْمن وأَما جعل الاستثناءِ منقطعًا فلا وجه له أَلبتة ، لأَن معناه لكن من آمن فيبقى يؤمن بلا فاعل ، وقد صح أَيضًا أَن التفريغ لا يقع في الانقطاع والداعى إِلى التأْويل أَن من آمن لا يتصور إِيمانه لاستحالة تحصيل الحاصل { فَلاَ تَبْتَئِسْ } لا تكن بائِسًا متغيرًا بالبأْس ، نهاه عن أَن يتأَثر بالبأْس وأَمره بالفاءِ وعدم الاكتراث ، وكأَنه قيل لا تحزن بلقاءِ هذا المكروه { بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } من التكذيب والإِيذاء ، أَو من فعلهم وهو التكذيب والإِيذاءُ والمضارع للاستمرار ، أَو بمعنى الماضى ، كانوا يضربونه حتى يشرف على الموت أَو يظنوه ميتا فيلقوه في المزبلة ويضربونه كذلك ويلقونه في ثوب ويلقونه في بيته ويرجع يدعوهم ، وبلغوا من الكفر به أَنهم يوصون بالكفر به حتى أَنه يجىءُ الرجل بولده فيقول لا يغرقك هذا فيقول يا أَبى ناولنى العصا فيضربه بها فيشجه وقد يسيل دمه ، وقد يضربه ضربة يظهر بها عظم رأَسه كان ذلك فقال يا رب قد ترى ما فعلوا فاهدهم أَو صبرنى إِلى أَن تحكم فيهم ، فأَوحى الله تعالى إِليه: لم يبق في صلب ولا رحم من يؤْمن بك ، وأَقنطه من إِيمان من لم يؤْمن وسلاه وبشره بقوله:

{ وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } إِلخ ، والأَمر للوجوب على ظاهره وحفظه لنفسه ولمن آمن معه واجب ، والقول بأَنه للإِباحة وأَنه لو شاءَ لم يصنعه فينجيه الله ومن معه بما شاءَ كجود الماءِ لهم في حقهم خاصة ، وكجعل سفينة من ماءٍ تجرى في الماءِ ، خطأٌ لا دليل له مع أَن الله تعالى قادر على ذلك كما جلع الماءَ دائِرًا كالحائِط بمن آمن ولم يحظر هناك ، والفلك السفينة ، وأَعيننا بحفظنا عن إِفساد قومه لها وعن الزيغ في صنعها ، أَو بمر أَى منا أَى بعلم منا لا تخفى عنى مصالحك ، وذلك أَن العين يكون بها الحفظ والعلم تعالى الله عن صفات الخلق ، وعرف الفلك مع أَنه لم يتعارف عندهم لكونه معروفًا عنده بالوحى قبل ، كما يناسبه قول بأَعيننا ووحينا ، فأَل للعهد فإِنه أَوحى إِليه أَن ينجيه في شىءٍ بتعليم الله يسميه فلكا ، وقيل للجنس إِذ لم يعرف الفلك ، ولم يأْمره الله إِلا بصنعه هكذا علمه كيف يصنع ، وروى الطبرى والحاكم عن عائشة عنه A أَن نوحًا غرس في آخر عمره شجرة بأَمر الله تعالى فذهبت كل مذهب وقطعها وجعل يعملها سفينة فقالوا له إِنها سفينة في أَرض بعيدة عن الماءِ ، وهذا نص في أَنهم عرفوا السفينة وأَنها كانت قبل نوح ، وقيل أَول من عملها نوح ولا تعرف قبله وعليه الجمهور والله أَعلم بذلك ، والباءُ للملابسة ، وجمع العين مبالغة في العلم والحفظ ، لأَن الحفظ والمراقبة بلا عين أَبلغ منهما بعين أَو عينين ، وفى ذلك استعارة تمثيلية شبه حفظه أَو مراقبته بحراسة الحراس بإِمعان العيون وكمال التيقظ في حفظ الشىءِ المحروس بحيث لا يظفر قاصده ولا يرام طالبه لكمال بأْسه عن تناول حراسه ، وقيل أَعيننا ملائِكتنا تشبيها لهم بالأَعين للحفظ ، وقيل أَعيننا رقباؤُنا على سبيل التجريد بأَن جرد من نفسه تعالى رقباءَ ، وهو أَن ينزع من الشىءِ آخر مثله في صفته مبالغة في كمالها ، والصواب منع ذلك في حق الله سبحانه لخروجه عن الأَدب في حقه ، وإِنما يقتصر على ما ورد مما يجوز ظاهره كعين الله ودمه وليس هذا الوارد تجريدا ، وأَما التجريد في حقه تعالى بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت