{ فَلَمَا سَمِعَتْ } سمعت امرأَة العزيز { بِمَكْرِهِنَّ } بمكر النسوة ، وهو ذكرهن لها بسوءٍ على وجه لاخفاءِ ، ولما كان على وجه الخفاءِ سمى مكرا كما أَن الاحتيال في الخداع مكر ، أَو ذكرت لهن القصة على أَن لا يذكرنها لأَحد فأَفشينها خيانة وإِرادة لإِغضابها فيكون مشاكلة ، إِذ ذكر ذلك باسم المكر لوقوعه في صحبة ذكر الحيلة منها في يوسف والكيد ، كقوله تعالى: { صبغة الله } أَى دين الله سماه صبغة لأَنه في مقابلة صبغة النصارى لأَولادهم في الماءِ الأَصفر ، أَو سماه مكرا لأَ ، المراد به التدرج إِلى رؤْية يوسف بإِراءَتها لهن ، وهذا يشبه المرك إِذ لا مكر فيه في العادة ، وكان قد وصف لهن بالجمال الكامل { أَرسِلَتْ إِلَيْهِنَّ } من يدعوهن أَن يجثْن إِليها ، ويقال: أَرسلت إِلى أَربعين امرأَة منهن الخمس أَو الأَربع المذكورات ، ولا يتم هذا لأَن الضمير إِلى النسوة وهى دون الأَربعين؛ إِلا أَن يكون استخدام بأَن رد الضمير إلى النسوة المذكورة لا على معناهن بل على معنى الجنس ، ولا مانع من أَن يراد بنسوة الأَربعون لا خمس أَو أَربع ، وهن من أَشراف المدينة بأَن تكون الأَربعون عيرنها ، أَو أَصل الغيرة من الخمس وفشا منهن في البواقى من الأَربعين ، والخمس سبب لدعوى من سواهن ، واختارت الكثرة لتلين عريكته وليجيب ما يرمنه ولإِسكات الخمس ولإِشاعة عذرها ، ولعدد الأَربعين استظهار على الأَعداء اللائِمين قال الله - عزوجل: { يا أيها النبى حسبك الله ومن ابتعك من المؤمنين } وهم يؤمئَذ أَربعون بعمر رضى الله عنه تم به العدد آخرا ، وكان إِرسالها إِليهن على صورة الضيافة ، ومرادها إِقامة عذرها ولا دليل على غير الخمس أَو الأَربع فهن المراد فقط { وأَعْتَدَتْ } أَحضرت ، أُصوله العين والتاءُ والدال والهمزة زائِدة كهمزة أًكرم { لَهُنَّ مُتَّكَئًا } موضع اتكاءٍ وهو فراش واحد يكفى بهن ، أًو المراد أَعتدت لكل واحدة متكأَ ، والاتكاءُ القعود على اطمئْنان ، ولا يشترط فيه الميل جانبًا ولو شهر الميل جانبًا ، وعن ابن عباس: المتكأُ مجلس الطعام؛ لأَنهم يتكئون له كما هو عادة الشرقيين وجاءَ النهى في الحديث عن الأَكل مع اتكاءٍ ، وقيل المتكأُ الطعام ، قال العتبى: يقال اتكأْنا عند فلان أَى أَكلنا ، ومنه بيت الإِيضاح لجميل:
فظللنا بنعمة واتكأْنا ... وشربنا الحلال من قلله
أَى وأَكلنا وشربنا { وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا } بلا طعام أَو لحم أَو فاكهة يقطع بها ، وهى الموسى الصغيرة { وَقَالَتِ اخرُجْ علَيْهِنَّ } وقد زينته أَكمل زينة ، وقالت أَطغى اليوم فيما آمرك به واعصنى أَبدا ، فتركها لمرادها من التزين والخروج عليهن ، فخرج عليهن وبهتن فيه وشغلن عن أَنفسهن فوقعت السكين على يد كل واحدة تقطع بها ولا تشعر ، وكانت السكاكين في غاية من الحدة .