{ يدبِّر الأمر } امر الدنيا وشئونها ، اى يتقن الامور ، شبه الاتقان من اول بأحكام الانسان امرا بعد نظر فيه ، لان اصل التدبير النظر في دابر الامر ، اى عاقبته ليجئ محمودا ، ففى يدبر استعارة تبغية ، او عبر بالسبب وهو النظر في العاقبة عن المسبب ، وهو الاتقان ، ولو كان الله لا يوصف بذلك السبب ، ولتضمينه معنى الانزال عداه بمن الابتدائية وبالى في قوله D: { من السَّماء الى الارض } وذلك التنزيل بأسباب ما ينتقل من السماء الى الارض ، ويوصف بالتحيز والانتقال كالملائكة عليهم السلام .
{ ثمَّ يعْرج } الامر { إليه } يثبت في عمله تعالى ثبوتا كثبوت ما يعرج ، أى يصعد وذلك الثبوت مرافقة العلم القديم ، وقومنا يثبتون علما تنجيزيا مواقعنا للقديم ، يتعلق بالحوادث وقت حدوثها ، ويكفى ان نقول: علمه ازلى منسحب على الحوادث ، اذ لا يمكن ان نقول: غفل عنها ، ولا ان نقول: لا يعلمها حين وقعت ، او المراد يعرج الى صحف الملائكة ، بان يكتبوه فيها باذنه تعالى ، فيكون فيها كتابته ، او يصعد الملك به الى الله .
{ في يَوم كان مقْداره ألف سنةٍ مما تعدُّون } نعت الف او سنة ، وتنازع يدبر ويعرج في قوله: { في يوم } وأعمل الثانى وأضمر للاول ، اى يدبر فيه اى في يوم كان الخ ، وقيل المراد العروج في يوم لا التدبير في يوم فيتعلق بيعرج ، ولا يقدر ليدبر ، والمراد بالالف المدة الطويلة لا نفس الالف ، وقيل الالف نفسه ، وعلى كل حال خص لانه اقصى المراتب لا مرتبة بعده ، الا ما يتفرع عليه ، وذلك انه يقدم للشئ ما ينبنى عليه من اسباب او كتابة ، او نحو ذلك ، ثم يوحده بعد طول مدة ، فالارادة نوعان: قديمة عمت كل شئ بخصوصه ، وإرادة كالتوجه الى ايجاده ، ولا بأس بذلك ، الا ترى الى قوله تعالى: { انما قولنا لشئ اذا أردناه } وبين الارض ومحدب السماء خمسمائة عام ، وغلظها خمسمائة عام ، والملك يقطع ذلك في زمان يسير ، وذلك تمثيل بانه لو فرض الى البشر لدبره في الف سنة ، ولو عرج به لوصل بألف عام ، ولا فزمان التدبير والعروج يسير .
وقيل: المعنى يدبر امر الدنيا باظهاره ف اللوح المحفوظ ، فينزل الملك الموكل به من السماء الى الارض ، ثم يرجع الملك او الامر مع الملك اليه تعالى في زمان كألف سنة للنزول والعروج ، وأريد به مقدار ما بين الارض ، ومحدودب السماء ذهابا ورجوعا ، فقيل من والى متعلقان بينزل محذوفا ، وقيل: هاء اليه للسماء ، ولانه قد يذكر كقوله تعالى: { السماء منفطر به } وقيل: المعنى يدبر للملائكة امر ألف سنة وهى يوم واحد { وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون }