فهرس الكتاب

الصفحة 1210 من 6093

{ وَمَا تُنْقِمُ مِنَّا } ما تكره منا كراهة شديدة أَو ما تنكر منا أَو ما تعيب علينا ، أَو ما تطعن علينا { إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا } ومصدر آمنا مفعول به لتنقم أَو مفعول لأَجله ، أَى إِلا إِيماننا ولا خير إِلا فيه ، وكل ضر في خلافه فلسنا نرجع عنه فاقض ما أَنت قاض ، فلسنا نهاب الموت بالقطع والتصليب ، والاية من تأكيد المدح بما يشبه الذم ، قال السعد: ولكن ليس من قبيل قوله:

ولا عيب فيهم غير أَن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب

بل من ضرب آخر وهو أَن يؤتى بالمستثنى مفرغًا إِليه ، والعامل مما فيه الذم ، والمستثنى مما فيه المدح ، قلت: هما من باب واحد . ومرادهم بالآيات العصا تعظيمًا لها ، أَو العصا وما قد شاهدوه معها كاليد البيضاء ، أَو انقلاب العصا ثعبانًا وكونه عظيمًا ، وبلعه ما صنعوا وعدم عظمه بما بلع ، أَو عدم رجوع ما صنعوا وعدم بقاء أَثره كروث ورماد ، ورجوعه عصا كما كان ، والسابق يلائم العصا وأَحوالها ، وأَما غيرها فلو كان لا يلائم المقام لكن لا مانع من حضور الإيمان بشئ في غير وقته السابق { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } حتى لا نرجع للكفر بعد الإِيمان بفعل فرعون . وإِفراغ الإِناء صب ما فيه وهو تصييره فارغًا فاستعمل في إِلقاء الصبر عليهم تشبيها بإِلقاء ما في الإِناء ، أَو المعنى ربنا آتنا صبرًا واسعًا بحيث يغمرنا ويحيط بنا كما يحيط الماء ، فالإِفراغ مستعار للإِفاضة المستعارة لإِلقاء الصبر ، أَو شبه الصبر في الكثرة وغمره بالماء الذى يحيط ، ورمز إِليه بالإِفراغ ، أَو شبه الصبر بالماء بجامع التطهير كما أَن الماءَ يطهر الدنس فإِن الصبر على فعل فرعون يطهر الذنوب ، وذلك استعارة { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } غير مفتونين عن دين الإِسلام ، فقيل أَنه صلبهم وقطعهم ، وقيل لم يفعل ذلك ، ولم يقدر عليه لقوله تعالى « أنتما ومن اتبعكما الغالبون » والمشهور الأَول ، والغلبة لا تتعين بعدم فعل ذلك ، فإِنها بالحجة وإِنها بالإِغراق ، وأَن ابن عباس قال: صلبهم وقطعهم من خلاف ، ولا يدل طلب التوفى على الإِسلام على عدم فعله ، كما قيل بجواز أَن يتوفاهم الله بالقطع والتصليب على الإِيمان ، ولا يدل مبالغته في الصبر عن الإِيمان على أَنه صلبهم وقطعهم لجواز أَن لا يصل ما رغب فيه ، وهاب لعنه الله موسى عليه السلام بعد ذلك أَن يأخذه أَو يحبسه ، وخلى سبيله خوفًا منه شديدًا ، ولم يرض قومه بذلك ، فقالوا له ما ذكر الله بقوله:

{ وَقَالَ المَلأُ مِنْ قَوْمٍ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ } أَرض مصر { وَيَذَرَكَ } خص موسى بالذكر هنا بيانًا لكونه عمدة ، وإِفسادهم تبع لإِفساده { وَآلِهَتَكَ } والاستفهام إِنكار للياقة ، وليفسدوا إِغراء بتعليل بالغوا فيه ، بأَن قصدك ترك موسى وقومه لأَجل أَن يفسدوا ، أَو كأَنك تركتهم ليفسدوا ، أَو اللام للعاقبة ، أَى يفسدوا كل ما وجدوا صالحًا من الدنيا والدين ، فالحذف للعموم ، أَو نزل منزلة اللازم أَى ليوقعوا الفساد ، أَو يقدر ليفسدوا الناس ، كما روى أَنه لما آمنت السحرة تبعه ستمائة أَلف من بنى إِسرائيل ، وواو قوله « ويذرك » عطف أَو معية ليذرك ، أَو أَتذر موسى وقومه مع تركه آلهتك؟ وقد جعل لهم أَصنامًا آلهة صغارًا يتقربون إِليه بعبادتها ، وقال: أَنا ربها وربكم ، ولذلك قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت