{ واقْصِد في مَشْيك } توسط فيه لا تسرع الا لغرض صحيح ، ولا تتباطأ كذلك ، قال A: « سرعة المشى تذهب بهاء المؤمن » اى هيبته وجماله ، وذلك انه يعد ذلك منه خفة ، ولو لم تكن فيه فيحتقر ، وقد يتغير البدل بالسرعة فيزول بهاؤه ، قال ابن مسعود: كانوا ينهون عن خبيب اليهود ، ودبيب النصارى ، وراى عمر رضى الله عنه رجلا متماوتا فقال: لا تمت علينا ديننا اماتك الله تعالى ، وراى رجلا متطأطئ راسه فقال: ارفع راسك ، فان الاسلام ليس بمريض ، ورأت عائشة رضى الله عنها رجلا كاد يموت تخافتا فقالت: ما لهذا؟ فقيل: انه من القراء ، فقالت: كان عمر رضى الله عنه سيد القراء ، وكان اذا مشى اسرع ، واذا قال اسمع واذا ضرب اوجع ، وقد نهى A عن الاسراع ، ولو لادراك الامام ، وقال: ما ادركت فصل وما فات فاستدركه .
{ واغْضُض مِن صَوْتك } انقض من صوتك الجهير: فتعدى بمن على التضمين والتأويل ، ويتعدى ايضا بنفسه وهو الاصل ، ومنه قوله تعالى: { يغضون اصواتهم } فلا يبالغ في الجهر الا لغرض صحيح ، ومنه الاذان والانذار من العدو ، ويقال رفع الصوت في غاية الكرامة ، ويروى ان كان رسول الله A وعلى آله يعجبه ان يكون الرجل خفيض الصوت ، ويكره ان يكون جهير الصوت ، ويظهر ان المبالغة في الجهر تشوه الوجه ، فيذهب بهاؤه ، وتركه اوفر للمتكلم ، وابسط لنفس السامع وفهمه ، والآية شاملة للعطاس ، فان ما يسمع منه صوت فينبغى خفضه ما أمكن ، كما نهى رسول الله A من رفع الصوت بالعطاس ، وذكر الغض بعد القصد في المشى ، لان يتوصل برفع الصوت اذا عجز عن التوصل الى المطلوب بالمشى ، فليتوصل اليه بالمشى الا ما خيف فوته ، او ما دعا اليه غرض صحيح .
{ إنَّ أنكر الأصْوات } لان انكر اصوات الحيوانات اسم تفضيل من المبنى للفاعل ، كما هو شائع المقيس من معنى قولك: نكر الشئ بضم الكاف صعب ، اى ان اصعب الاصوات على القلوب والاسماع ، كما قال الله تعالى: { الى شئ نكر } والجهر يضر سمع السامع ، واما ان قلنا: من نكر بالبناء للمفعول او من انكر كذلك بالهمزة بمعنى اقبح الاصوات فشاذ ، حيث بنى من المبنى للمفعول ، او من الرباعى المبنى ايضا للمفعول { لَصوت الحَمِير } اسم جمع كما قال السهيلى ، لا جمع كما قال غيره ، فرافع الصوت في غير محل الرفع كالحمار في القبح ، ولا استعارة في ذلك ، وان اريد بصوت الحمير اصوات الرافعين لا صوت الحمير ، كانت الاستعارة ، اى انكر الاصوات اصوات هؤلاء الرافعين اصواتهم ، وسماهم حميرا .