{ ألَم تَر أنَّ الله أنْزل مِن السَّماءِ ماء } إلى قوله { حطاما } تمثيل لسرعة زوال الدنيا ، وكأنها زالت فكيف يطمئن اليها ، وكأنكم بعدها بتلك الدار التى فيها الغرف المذكورة ، وبيان لقدرة الله تعالى ، فلا تنكر تلك الغرف ، والمياه المذكورة ، والسماء جهة العلو ينزل الماء مناه لأسباب خلقها الله ، ويوجد الماء بها كالأبخرة تصعد الى العلو ، فيقلبها ماء ، وقيل: السماء الدنيا ينزل الماء منها في مدة يسيرة بقدرة الله ، أو مدة طويلة ينزل فيها فيصل لأوقاته ، وقيل: يحتبس البخار في الأرض فينقلب ماء ، واذا عثر بحيث لا تسعه الأرض انشقت فالفجر عيونا ، وهو قول قوم كثر بحار الجهل في قلوبهم ، فانشق الى هذا الكلام ، وقيل: الماء ما في الأرض من الماء الذى أنزله الله تعالى من تحت العرش ، وأسكنه الأرض حين خلقها ، والمعروف أنا نرى الماء ينعقد من أبخرة ، وأن ماء الأرض من الأمطار يخزن فيها ، يقل بقلة المطر ، ويكثر بكثرته ، ويقال بعضه من أول خلق الأرض وبعضه من المطر ، وعن ابن عباس: لا ماء في الأرض إلا من السماء ، ونحو: « ألم تر » ولو كان بمعنى ألم تعلم كثير في الاستعمال ، ولو فيما لم يشاهد ، لكن أصله فيما يشاهد ولا مانع منه هنا { فسلكه } أدخله { يَنابِيعَ } مجارى كالعروق في الاجساد ، وهو ظرف أو يقدر في ، والمفرد ينبوع ، ويبعد أن يجعل ينابيع بمعنى نوابع ، فيكون حالا وهو ضعيف ، لأنه لم يقل من الأرض بل قال: { في الأرض } فنحتاج الى أن في بمعنى من أو الى ، والمعنى أنه ينبع في مواضع النبع منها .
{ ثمَّ يُخرجُ به زرعا } أى بسببه ، إذ جعله الله تعالى سببا كل ذلك عن الله خلق للسب والمسبب ، وتأثره ولو شاء لأخرج النبات النار أو من الهواء من الحدر بلا ماء ، أو من حديد ولا بأس بجعل المدخلية للماء ، بان نجعل الهاء للماء بالتقدير مضاف فيقال: يخرج الله تعالى الزرع بالماء ، ولا بأس في ذلك لأن تلك المدخلية لا يحتاج الله تعالى غليها في إخراج الزرع ، وهو خلقها ، وجعل الله تعالى الأمور مرتبة على الأسباب إليها القلب ، وتعمل الجوارح ، ويثاب العامل ، ولو لم يكن الأسباب لكان الانسان في غم مما يفجأ من خير أو ضر ، لا يدرى أيهما يكون ، ولا متى يكون { مُخْتلفَا أَلْوانُه } أنواعه كبرٌ وشعير ، أو خضرته وصفرته وحمرته ، أو الأنواع الكيفيات الشاملة لذلك كله ، والزرع شامل لما يأكله الناس ، وما لا يأكلونه ، وهو ما حرثه الناس لا ما نبت مطلقا ولو بلا حرث ، وتحتمل ارادة هذا العموم على التجوز لعلاقة الاطلاق والتقييد .
وثم في ذلك وفى قوله: { ثمَّ يَهيجُ } للتراخى في الزمان ، ولا ينافى سوق الآية تمثيلا للسرعة ، لأن في هذه الدنيا سريعا وبطيئا ، ويجوز أن تكون للتراخى في الرتبة والهيجان ، اليس حقيقة لا مجاز من مجاز الأول والمشارفة عن الهيجان بمعنى التفتت والذهاب بالييس كما قيل { فتراه مُضْفَّرا ثمَّ يجْعلُه حُطاما } مفتتا { إنَّ في ذلك لذِكْرى } تذكرة أو تذكير بهوان الدنيا { لأولى الألباب } فلا يغترون بالدنيا ، ولا يستنكرون إجراء الأنهار من تحت الغرق ، ولا يتبادر أن المعنى تذكيرا أو تذكرا بأنه لذلك من صانع حكيم ، وليس كل ما صح معناه تفسير به الآية ، ولو لم يكن دليل عليه ، ولا الآية مسوقة له .