{ وَجَعَلْنَا اللّيْلَ } قدمه لتقدمه وجودًا ، ومنه ينسلخ النهار ، ولأن به ظهور غرر الشهور العربية ، ولترتيب غاية النها عليها بلا واسطة ، ولافتتاح السورة به ، إذ قال: { سبحان الذى أسْرَى بِعَبْدِهِ ليلا } { وَالنَّهَارَ } ظلمة الليل وضوء النهار ، واستمرار تعاقبهما ، وإيلاج بعض في بعض مع إمكان غير ذلك لحكمة { آيَتَيْنِ } دالتين على قدرتنا ووحدتنا ، والجعل بمعنى الخلق ، فآيتين حال مقدرة ، لأن الدلالة بهما بعد وجود من يستدل بهما ، وجعل حالا لأنه بمعنى المشتق ، أى دالين ، أو للتصيير فهو مفعول ثان ، وهو من التصيير الذى لم يتقدمه غيره ، كقولك: ضيق بم البثر أى من أول لا عن وسع سابق ، وقولك: وسعه أى من أول لا عن ضيق سابق وأدرحيها وسجن من صغر البعوضة ، وكبر الفيل ، إلا أن يراد أنههاء من صغر لكبره .
{ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللّيْلِ } الإضافة للبيان أى آية هى الليل ومحوه محو آخره بأول النهار ، وفى هذا إبقاء المحو على حقيقته ، وهى إزالة الثابت قبل ، وهى إزالة ظلمته ، هى الأصل الذى خلق عليه الليل ، فأخبرنا الله D بأنه يزيل هذه الظلمة بضوء النهار ، وقيل: المعنى جعلنا الليل مظلمًا من أول كقولك: وسع فم البئر ، وهذا ولو كان مجازًا لكن دل عليه مقابلته بجعل آية النهار مبصرة ، واعترض بأَن مقابلته بجعل النهار مبصرًا لا توجب جملة على المجاز لفائدة بيان إِبقاء بعض الزمان على أصله ، وجعل بعضه مضيئًا ، ولا يقال لا فائدة في تفسير المحو بحقيقة زائدة على ما بعده ، لأن نقول فائدته الإعلام بأن الليل مظلم أصالة ، والنهار مزيل للإظلام الأصيل ، ولو اقتصر على ذكر إبصار النهار لم يفد أصالة ظلمة الليل صراحا .
{ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ } مثل ذلك أى آية هى النهار { مُبْصِرَةً } مضيئة ، عبَّر عن الإضاءة بالإبصار ، لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار بالعين ، وذلك من إطلاق اسم المسبب على السبب ، ويجوز أن يكون الإبصار لتعدية بصر ، يقال: بصر بالشئ إذا علمه ، فمعنى أبصرت الشئ علمته لا رأيته ، وإسناد الإبصار إلى النهار من الإسناد إلى السبب ، أو مبصرة للناس من أبصره فبصر ، فيكون من الإسناد إلى السبب العادى ، والمبصر حقيقة هو الله ، فيكون ذلك مجازًا عقليا ، أو مبصر أهله برفع أهل ، فيكون من الإسناد إلى الزمان الملابس كقولك: أضعف الرجل إذا ضعفت ماشيته ، وأجبن إذا جبن أهله من الإسناد إلى ملابس الفاعل ، غيره الزمان .
فلك أن تقول من باب حذف المضاف ، أو الآيتان للشمس والقمر ، أى وجعلنا فيرى الليل والنهار آيتين ، وهما الشمس والقمر ، أو جعلنا الليل والنهار ذوى آيتين ، وذلك أنه لم يجعل ضوء القمر كضوء الشمس ، بل دونه ويزداد وينقص ، وضوء الشمس فيها ، وضوء القمر منها ، وكان القمر كالشمس في النور ، فكانت شمسان من نور عرشه فمحاه جبريل إلى حاله الآن كذا قيل فالسواد الذى فيه أثر المحو ، جاء الحديث بذلك .