{ وهل أتاك حديثُ مُوسَى } تسلية لرسول الله A بما أو ذى به موسى عليه السلام كغيره ، أنهم عراهم من أفواههم ما عراك ، وإعلان بأن شأن الأنبياء القيام بالتوحيد وأموره . وتحمل المشاق بعد ما سلاه عن تكذيب قومه تقوله سبحانه: { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } والاستفهام للتقرير ، وأجاز بعض أن يكون للنفى أى ما أتاك حديث موسى قبل ، بل نخبرك به الآن ، وقيل هو بمعنى قد ، وحديث بمعنى اسم مفعول أو المصدر ، ولذلك علق به قوله:
{ إِذ رأى نارًا } أى ما تحدث به إذ رأى نارًا ، أو تحدثه إذ رأى نارًا ، ويجوز تعليقه به مع بقائه على معنى الكلام أو الخبر بلا تأويل ، لأن الظرف يكفى فيه رائحة الفعل ، أو يعلق بمحذوف ، أى إذ رأى نارًا الخ ، كان كيت وكيت ، أو كان كيت وكيت إذ رأى نارًا ، أو يجعل مفعولا لمحذوف ، أى اذكر إذ رأى نارًا .
استأذن موسى شعيبًا عليهما السلام أن يخرج من مدين الى مصر لزيارة أمه وأخيه ، وقد طالت المدة من حين قتل القبطى بمصر ، ورجا خفاء أمره ، فأذن له ، وكان غيورًا فخرج بلا رفقة لئلا ترى زوجه ، وقيل برفقة يصحبهم ليلا ، ويفارقهم نهارًا ، وكانت على أتان على ظهرها جوالق فيها أثاث البيت ، ومعه غنمه ، وأخذ على غير طريق فيما قيل خرفًا من ملوك مصر ، ولما وافى طوى بالجانب الغربىّ من الطور ، ولد له ابن في ليلة مظلمة شاتية مثلجة ، ليلة الجمعة ، وقد ضل عن الطريق ، وتفرقت ماشيته ، ولا ماء عنده ، وقدم زنده ولم يور نارًا ، فبينما هو كذلك إذ رأى نارًا بيضاء ، على شجرة خضراء ، تتقد من أسفلها الى أعلاها ، كلما قرب منها بعدت ، وكلما ذهب عنها قربت ، وهى نور على صورة النار ، وقيل نار لا تحرق ، يدنو منها ليقبس في حطب بيده ، فتبعد ويذهب فتقرب ، وهى على يسار الطريق من جانب الطور .
{ فقال لأهْله امْكُثوا } هنا لا تتبعونى في مسيرى الى هذه النار ، خطاب لزوجه وخادمه وما ولد له ، ولو كان لا يعقل لأنه توسط ، أو خاطبهما دونه بلفظ الجمع ، أو لزوجه للتعبير بلفظ الأهل ، أو لتعظيمها كقول الشاعر:
وإن شئت حرمت النساء سواكم ... { إنى آنسْتُ نارًا } أبصرتها إبصارًا لا شبهة فيه ، أو أبصرت ما يؤنس به وهو النار ، أو وجدت نارًا { لعلِّى آتيكم منها } أى من النار ، ومن للابتداء { بِقَبَسٍ } بشعلة مقتبسة على رأس جزلة من الحطب ، والجاران متعلقان بآتيكم ، وهو مضارع لا اسم فاعل ، لأنه أنسب بالمضارع في قوله: { أو أجدُ على النَّارِ هُدًى } هاديًا أو ذا هداية الى الماء ، ويجوز إبقاؤه على ظاهره من المصدرية بلا تأويل ، كأنه قال أو أجد هداية إليه من هاد ، والمقام لذلك لا كما قال مجاهد وقتادة المراد الهداية الى أبواب الدين .