{ الذين كَفَروا } بالقرآن عموما ، وبرسول الله A { وصَدوا } من الصدود ، وهو لازم ومعناه العارض أى أعرضوا { عَن سَبِيل الله } لم يعلموا بما أمروا بعمله ، ولم ينتهوا عما نهوا عنه من الأقوال والأفعال ، ويدل على أنه من الصدود وهو لازم قوله تعالى: { قل هذه سبيلى أدعو الى الله } أى فأجيبونى اليها ، أى لا تعرضوا عنها ، مع قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } أى لم يعرضوا فآمنوا وعملوا الصالحات ، مقابل عن سبيل الله ، وآمنوا بما نزل على محمد مقابل الذين كفروا ، ويجوز أن يكون متعديا من الصد فحذف المفعول لعموم ، أى صدوا كل من وجدوا ، أى دعوه الى الاعراض عن سبيل الله ، سواء طاوعهم أو لم يطاوعهم .
ويدل على التعدى قول الضحاك: سبيل الله ، بيت الله ، كانوا يصدون من قصد بيت الله عنه ممن كرهوا ، وأرادوا أخذ شىء عنه ، فاذا أعطاهم خلوا بينه وبين البيت ، والأولى العموم لا خصوص البيت ، والآية عامة لكل من اتصف بالكفر والصد عن سبيل الله ، هم اثنا عشر رجلا يصدون الناس عن الاسلام ، وقول بعضهم: انهم شياطين من الجن من أهل الكتاب ، صدوا عن الاسلام من أراده من الجن وغيرهم ، وأما الاطعام يوم بدر الكبرى تقوية للمشركين ، فلا يقوى التعدية كما توهم بعض المحققين وابن عباس ، فسر الذين كفروا وصدوا بالمطعمين يومئذ ، وقيل: اليهود ، وقيل: كفار قريش ، والأولى عموم من كفر وصدوا ، لم يكن الاطعام مقويا للتعدى لأن الذين أكلوا من ذلك الطعام كافرون من قبل الاطعام يستمرون على الكفر ، ولو لم يطعموا ، نعم المطعمون أشد كفرا وصدا وصدودا من غيرهم .
ويجاب بأن تعميم الآية فيمن أطعم ومن لم يطعم أعظم فائدة . بل لو فسرت باصدود بلا اطعام ، أو بالصد بدونه لدخل المطعم بالأولى ، فلا يخفى أن الضال بنفسه دون الضال المضل ، والضال المضل دون الضال المطعم ، لأنه يضل الناس بنفسه وماله ، وفيه أنه لا إضلال في الاطعام كما مر ، إلا أن يراد بالاضلال في جانبهم التجسير على السفر لغزوة بدر ، واول من أطعم أبو جهل ، أطعم المشركين يوم خرجوا من مكة الى بدر نحو عشرا من الابل ، ثم صفوان بن أمية تسعا بعسفان ، ثم سهر بن عمر وبقديد عشرا ، ثم شيبة بن ربيعة ، وقد تاهوا تسعا ، ثم عتبة بن ربيعة عشرا ، ثم مقيس الجمحى بالأبواء تسعا ، ثم العباس عشرا قبل اسلامه ، أو بعد اسلامه ، ومن أسلم قبل نسخ الهجرة ولم يهاجر فاسق ، وقيل: مشرك ، كأنه خرج وأطعم بصورة القهر ، ولم يقدر ، وكأنه فعل ليشفع فيه A ان كان مغلوبا .